Tuesday, December 13, 2011

حـــلوى الكـــراميـــل




تفقد الأشياء معناها بالتكرار، وتفقد الأيام ألوانها بالروتين.. وأنا أفقد بهجتي... بفقدانك أنت قربي..

أيام تمر تباعا، دون أن أجد وقتا لأتدارك به نسمات الهواء، وحفيف الأشجار.. أو غناء الطائر القمري..
أيام روتينية، مملة، رمادية تماما...

أنت ربيعي، وقوس مطري، وسبب كل ابتساماتي.. كم أفتقد وجودك في أيام كهذه، كم أفتقد كلماتك التشجيعية، مزاحك السخيف، والتعابير الغريبة التي تصنعها بملامحك...
كم أحتاج لأن أبكي بين يديك الآن، و تبكي أنت من أجلي... وتخبرني انني سأكون على مايرام...
.
.
.

أتراك تفكر بي الآن ؟
×××

عندما تنشغل عقولنا بالتفكير، تأتي كل الأفعال والردود بصورة تلقائية...
كل أفعالي أصبحت أفعالا تلقائية، وكل كلماتي ترديدا.. حتى ابتساماتي باتت شكلا من أشكال العادة..

كنت أفكر بنفس مشاكلي التي لا تنتهي مع الدراسة، شهيتي المضمحلة وروحي المنهزمة أمام أحداث حياتي.. وأنني ببساطة سئمت كل شيء.. أنني أريد العودة إلى منزلي وحسب.. أريد أن أغادر وأختفي للأبد...

أسندت رأسي إلى الطاولة، كنت أستمع ولا أصغي لأغنية ما.. لأحجب كل الأصوات عني، أو لأحجبني عن الحياة...

شعرت بأحدهم يقف أمامي، وبدون أن أراه، اخترت أن أتجاهله عله يبتعد.. لكن محاولاتي باءت بالفشل عندما مد قلم رصاص ليلكزني...

رفعت رأسي...
وإذا بي أتبسم بلا شعور.. وقلبي يخفق متسارعا، وعيناي تشعان بالسعادة...

-          "متى تنتهين اليوم؟"
-          "في الساعة الرابعة.. ولدي بعض الأوراق أريد أن أستلمها من علياء... هذا كل شيء"
-          "ما رأيك أن نغادر في الساعة الرابعة والنصف ؟"
-          "حسنا"

أدخل يده في جيبه، وأخرج يده محكما قبضته على شيء ما... تبسم وقال
-          "اطرقي الباب"
-          "دق دق"

فتح يديه، واذا بها حلوى كراميل ... أخذتها وتبسمت بامتنان، وحده يعرف كم أحب هذه الحلوى.. ووحده يدرك أنها بلا منافس عندما تكون منه هو..
اقترب مني، وهمس لي..
-          "يوجد الكثير منها لدي، ولو رأيتك بهذه الحالة مرة أخرى فلن أعطيك إياها"
ضحكت وقلت "حااااااضر"

×××

صعدنا إلى الباص، كعادتك تسبقني لتجد مكانا لنا سوية..
جلسنا في المؤخرة، وما ان بدأ بالسير، حتى التزمنا  الصمت مرة أخرى...
عبثا كنت تحاول تارة بعد أخرى كسر هذا الصمت.. بأسئلة كنت أحيانا تعرف أجوبتها، أو جمل منتهية أرد عليها بإيماءة وابتسامة..

 صمتٌ لم يكن أكثر من خجل مكتوم، ومشاعر مدفونة..
صمتنا لنا وحدنا، وحدي أتدارك الكلمات التي لم تأخذ حريتها من شفتيك.. وحدي أعي مخارج حروفك، وأشكال ثرثرتك...

عندما نحب، نتفرد في تشكيل كل شيء حولنا، ليعطي معان أخرى لندركها وحدنا، إننا نخلق كل شيء ليكون من أجلنا ولنا فقط... إننا نحب أن نضع من نحب فوق كل شيء، وعلى كل شيء، فقط ليكون دائما في الذاكرة... لأنه هو أحلى من في الذاكرة...

لم أشعر بتلك الدقائق العشر التي كانت تفصلني عن منزلي وهي تعدو عدو الرياح..
كنت قد اقتربت من محطتي عندما قلت لي "سأخبرك بشيء ما"
نظرتَ حولك وفكرت... ثم قلت "سأخبرك قبل أن تغادري"
كانت مجرد مسألة دقائق حتى وصلت... وقفت لأغادر وقبل أن أستدير...

أمسكت بيدي ونظرت لعيني وقلت
"أحبك"
.
.
.

كان من الممكن أن أرد بأنني أحبك أيضا، أو أتجاهل محطتي ببساطة وأبقى معك حتى النهاية، أو أي فعل يعبرني بشكل أفضل.. لكنني لم أرد.. ولم أتبسم إلا نصف ابتسامة... وغادرت على عجل...

وما إن نزلت...
حتى تسمرت قدماي لدقائق... ثم اتسعت ابتسامتي بالتدريج..
كان عقلي مشغولا بالتفكير.. فسرت في طريقي بشكل تلقائي...

إن الوصف للحظة كتلك، لا يوفِي.. والتعابير مهما تزاحمت، فإنها لا تكتب.. إنها سعادة شأنها شأن الشمس، تدفئ الجسد حتى النخاع.. وشأنها شأن الوباء الجميل انتشارا في الجسد ...

كنت أمشي في طريقي، أضحك كالمعتوهة.. أكاد أركض من فرط السعادة..
وكما كان عقلي مشغولا بالتفكير، كانت ردة فعلي أنني التفت حولي، ثم قفزت على الرصيف فرحا...

×××

Friday, December 9, 2011

ثَــــأْر الرِمَـــال



{{ مدخل ~

القصة بالاشتراك مع الكاتب الرائع والمبدع big bad wolf :)
مدونته [[ هولاكيــات ]] تجدونها في الرابط هنا
إنها المرة الأولى التي أجرب فيها الإشتراك مع كاتب آخر في قصة قصيرة، كانت تجربة ممتعة فعلا، وأتمنى أن تكرر مجددا ^_^
أتمنى تحوز على إعجابكم ~

×××

قال:
-          لقد أعطيتك كل ما أملك, و الآن و أنا على فراش الموت أريد أن أسئلك ماذا كنت تريدين أكثر من هذا يا ترى؟ 

قالت:
-          لا أريد كل ما تملك, كنت أريد قلبك فقط.
قال:
-          لقد كان ملككِ منذ دهور .... منذ اليوم الأول الذي قابلتكِ فيه.

×××

الشمس، هي كالحياة تماما...
لها أوجه عدة، ومزاجات متقلبة.. لها دفؤها وحرقتها...
الشمس واحدة، ومع ذلك فإنها تختلف في كل مكان... ففي كل مدينة هي بحلة أهلها...في كل بقعة من الأرض لها هالتها المميزة.. تارة تبعث حرارتها حتى تذيب ثلوج القلوب، وتارة تبث دفئها بثّها للسعادة والبهجة في النفوس...

أما في جزيرة العرب، فهي شمس تكاد تلون بلون أحمر قاني، لون يشبه كثيرا قلوب أهلها...
قلوب غُلفت بأحقاد تتراكم تراكم أوراق الخريف، وآلام تولد مع أغشية الأجنة...

×××

في ظهيرة توسطت الشمس فيها كبد السماء، وتلاشت فيها الغيوم، كان السوق كعادته في كل يوم يعج بالحركة، باعة يروحون ويجيئون، أصوات تعلو فجأة ثم تختفي، مشاحنات مع الزبائن، أطفال يلعبون...

 و في خضم هذه الأحداث كانت هناك سيدة عجوز ضريرة تتجول في الأرجاء، بعصا تتوكأ عليها، ثقيله الحركة، أنفاسها ببطء  حركتها، شعرها الأبيض ينسدل تحت شالها الأسود..  بثياب أهلكتها الأيام، وسنين أغبرها التعب..

تمشي في ديار لم تعرف أزقتها وشوارعها، متعثرة ببعض الحجارة في الطريق, بحيرة تتخلل كل خطوة...

كان انزعاجها من الأصوات جليا على ملامحها، كان هناك رجل واقف على جانب الطريق.. ضخم الجثة، كث الشارب واللحية، بتجاعيد شكلت ملامح وجهه.. فتوقفت لوهله على مقربة منه و أرهفت السمع قليلاً ثم قالت و هي تنظر في السماء:

-          عجوزاً ضريرة تريد المساعدة أيها العرب!
التفت إليها ورد بصوت جزل عميق..
-          نعم، بماذا يمكنني أن أساعدك سيدتي؟
-          أيمكنك أن ترشدني على بئر بني غانم الواقعه على أطراف المدينة؟  فإنني غريبة عن هذه المدينة..  و لا أملك ما يرشدني غير عصاي.

لم يحرك ساكناً للحظات ثم أمسكَ بعصاها و تقدم في صمت مطبق.. وأخذها بوقع خطوات سريع إلى مكان خارج السوق.. كانت تلاحظ تلاشي أصوات الإزعاج شيئا فشيئا... حتى توقف تحت شجرة كبيرة..

توقف عن الحركة و هو لا يزال مولياً ظهرة ناحية العجوز , ثم طقطق برأسه نحو الأرض من دون أن ينطق بكلمة واحده, فشعرت العجوز بذعر خفي و أرادت أن تنطق بكلمة واحده و لكن و قبل أن تفتح شفاها قال الرجل الضخم بصوته الجزل العميق:

-          ها نحن ذا بعيدان عن الأنظار...

توجست خيفة و أستطردت بصوت متلعثم:
-          هل وصلنا نحو وجهتنا يا أخ العرب؟ هل هذه هي بئر بني غانم؟
 ألتفت صوبها و وقف أمامها، متمثلا بعينها كما لو أنه قد جُنّ جنونه ...
-          يمكنك أن تقتليني الآن يا خولة...

صمتت، ثم انقلبت عيناها كما لو كانت عينا صقر مميت .. حدت نظراتها إليه..
قالت في صوت دفين يحمل ضغينة شديدة:
-          اذا فقد عرفتني يا رعد... لم أتصور أنك ستذكرني بعد كل هذه السنين المريرة.

شرد بصره و قال بصوت شابه بعض الحزن:

-          كنت أعلم أن هذا اليوم قادم لا محالة يا خولة.

برقت عيناها في شدة
-          استعد  إذاً لتتذوق من نفس الكأس ..

أدخلت يدها في كمها ببطء، وأخرجت منه خنجرا ذو رأس شديد الحدة، ومقبض ذهبي مزخرف بزخارف سوداء.. حملته بكل ذرة حقد في قلبها.. تجسد في عينيها ماض لم يبرأ من الألم، وجرح لم يُقَدّر له الإلتام...

كان يقف بصمت يهز الجبال، وشموخ أمام زعزعة الأقدار... يحدق إليها وحسب..
تقدمت منه بحذر، حتى أنها لم تثق بأي كلمة قالها..

كانت تطيل النظر في عينيه، بانتظار أدنى إشارة تحذرها، لكنها كانت تتجاهل نورا غريبا ينبثق من عينيه.. عيناه كانتا تتوهجان بنور عجيب..

قبض على يديه بشده.. فنقلت بصرها إلى يده فتمتمت بعصبيه :

-          أتحاول أن تفعل شيئا ما ؟

أجابها في لهجة واثقة:
-          لا خولة لن أفعل أي شيء.

سألته في لهجة ساورها الشك:
-          ما هذا الذي بيدك ؟

مد يده وفتحها أمام ناظريها، أطلت على ما كان يحمله في يمناه..
كانت تميمة صغيرة كما يبدو.. خيط صغير علق عليه خرزات حمراء.. ومن صغر حلقة الخيط، بدا كأنه لشخص نحيل جدا.. أو طفل صغير السن..
لاذت العجوز بالصمت..

نظر عميقا إلى عينيها، ثم قال:
-          إنها لابني الصغير.. توفي قبل ستة أعوام، ولم يتجاوز العاشرة... علمت أنه القدر يأخذه كما أخذت ابنك رشيد بيدي... علمت أنك ستأتين عاجلا أم آجلا...

قالت له في صوت منفعل:
-          هل ترواغ لتستعطفني يا رعد؟
نكس برأسه ناحيه الأرض و قال بلهجه أثارت بعض الأطمئنان في نفسها:
-          هل أبدو لك كذلك ؟

تبدلا النظرات لثوان...
عيناها المكتحلتان بكحل أسود كغسق الليل، كانتا ذهبيتان بلون العسل، ولون النار الموقدة.. بـ تجاعيد رسمتها السنوات على تقاسيم وجه لم يعرف الا قسوة البادية...

شرارات حقد كانت تنبثق من عينيها، بقلب أسود لم يعرف النوم عشرون عاما، بسبب نار غل لم تنطفئ...

-          لقد أدركت كيف يشعر المرء عندما يفقد شيئا كان من ضلعه.. اذا فإنني أثق بأنك لن تغدر بي..
اقتربت منه بخطوات واثقة... بينما ظل هو صامتا... فقالت:
-          لطالما أحببتك و أحترمتك يا رعد... لكنني أثأر لدمه.

رفعت يدها
أغمض عينيه بشدة...

غرست السكين في قلبه غرسة واحدة، بكل ما أوتيت من قوة.. تبعتها عدة غرسات، كان يصرخ فيها من الألم، حتى خر صريعا على الأرض...

بينما راقبته يلفظ أنفاسه الأخيرة... ودماؤه تعود لتمتزج بأرض كانت منها يوما...
راقبته حتى توقف عن الحراك... مدت يدها لتجس نبضه.. لقد أزهقت روحه.. تأملته لعدة دقائق مستلقيا على التراب..

تنفست الصعداء أخيرا..ارتاح وجدانها أخيرا..
ألقت بخنجرها على دمائه.. ثم ألقت عصاها... وتركته خلفها.. وغادرت.

×××

Friday, November 11, 2011

رِسَـــالَة ،، إِليْـــكَ بُنَيّ



×××

التجاهل... مؤلم...
ولكن الصد، أكثر إيلاما...
الرفض، أكثر إيلاما، أعمق جرحا... أشد وجعا...
نستطيع تحمل كل شيء.. حتى التجاهل... نستطيع بقدرة خارقة في أنفسنا على التغافل... أن نتناسى، ونصفح عمن نحب.. لا لحاجة فينا، لكن لأننا نحبه وحسب...
ونعود مرة أخرى، لـ نبتسم في حضرته، وحضرة الذاكرة، وحضرة الألم... لا لعلة فينا... لكن لأننا نحبه وحسب... لأننا نريدهم أن يعودوا لنا في نهاية الأمر... لأننا نكره البقاء وحيدين... والبقاء متجاهلين...
لأننا نكره الوحدة في الظلام...

×××

متنقلين في فصول حياتنا، عاما بعد عام، ننهمك في شؤوننا، صغيرة كانت أوكبيرة.. بدون أن نتوقف للحظات، ونتفس الصعداء .. ونتأمل ماحولنا وحسب..
هكذا كان هو، مشغولا بعمله، مشغولا بشدة.. لدرجة أنه لم يلحظ أن ابنه نما انشا كاملا.. وحصل على أعلى درجة في اختبار مادة العلوم في الأسبوع الماضي..
×××

راقبه ابنه الصغير وهو يقطع الردهة جيئة وذهابا... واضعا يده تحت ذقنه، عاقدا جبينه، ويهمهم بين الحين والاخر...

أمسك أمجد بكوب حليبه الفارغ، وظل يراقب والده...
حتى صاح والده فجأة "أها ! وجدتها !" وأسرع بخطاه إلى مكتبه، وأغلق الباب خلفه...
لم يكن بالمنظر الغريب.. إنها فقط "احدى حالاته تلك"...

نزل أمجد عن كرسيه، ووضع كوب حليبه على مغسلة الصحون، ثم رفع ثقل نفسه على أطراف أصابعه، ليفتح صنبور المياه، ويغسل كوبه مستخدما أطراف يديه، فيكاد أن ينزلق من يديه ما بين الفنية والأخرى.. حتى انتهى من غسله، فوضعه مقلوبا ليجف..

ركض في الممر ليصعد الدرج على عجل،لأنه شعر بحاجة لاستخدام دورة المياه...
لكنه تفاجأ عندما وجد الباب مغلقا !
لابد أن والده أغلقه بعد مغادرة السمكري !
لحظة ! المفتاح بأحد تلك الأدراج ! ظل يبحث ويبحث بلا جدوى...

ركض بخطاه المتقاربة إلى مكتب والده،  وقف على أطراف أصابعه، ليصل إلى المقبض ويديره..
أفلت المقبض وولج الغرفة بخطى مترددة...

رفع الوالد رأسه عندما شعر بدخوله، ثم صاح "ماذا أخبرتك بشأن دخول المكتب عندما أعمل ؟"
استاقه والده خارجا، ثم عاد أدراجه موصدا الباب خلفه..

ظل والده في تلك الصومعة لمدة لا تقل عن ثلاث ساعات..
حتى خرج بعد فوات موعد الغداء... صعد إلى غرفة ابنه، ليسأله ما اذا أراد البيتزا أو شيئا اخر...
أدار المقبض، وفوجئ بالمشهد أمام عينيه...

كان أمجد يحمل شراشف السرير بين يديه، مبللة تماما ! وكذا حال بنطاله !
.
.
.

تبادلا النظرات لثوانٍ...
حتى عقد والده جبينه بغضب وصاح قائلا "ما الذي فعلته؟؟ لماذا لم تذهب إلى الحمام؟؟ أولم تكبر على هذا الفعل ؟؟"
اقتلع الشراشف من بين يديه، وصاح "اعطني هذه ! اذهب الان !"

فيما كان أمجد يحدق إلى الأرض، يستمع لكلمات والده وهو يعنفه... تجمعت الدموع في عينيه...
وبسرعة لم يتداركها والده، كان أمجد يبكي ويشهق.. ويكفكف دموعه بيديه وقميصه..
عدا إلى دورة المياه مرة أخرى، أمسك بالمقبض وأصبح يديره عده مرات بكلتا يديه.. ومازال يرفض أن يفتح...

تقدم والده متسائلا "ما الخطب ؟؟"

بأنفاس متقطعة، وغصة في الحلق قال كلماته "لم... أستطع... ناديتك... لم تأتِ"

لاذ والده بالصمت.. وأخرج المفتاح من بين سلسلة مفاتيح جيبه هو.. وفتح الباب...
ولج أمجد إلى الحمام بسرعة.. فيما عاد والده لينظف تلك الفوضى...

×××

في المساء..

حين حل موعد نومه، كان الأب كعادته قابعا في مكتبه، بين أكوام من الأوراق والكتب.. خلف شاشة حاسوبه التي أشحبت لون بشرته...
أُدير مقبض الباب ببطء... فرفع ناظريه، وحدق منتظرا...

ظهر ابنه أمجد خلف الباب.. مستعدا للنوم، بقميص نومه المزركش بالسيارات...
بعلامات ذنب ترتسم على محياه، كان ينقل بصره من الأرض إلى والده..
"ما الذي أتى به ؟" فكر والده..

وقبل أن يسأله، كان أمجد يركض نحوه بخطى واسعه.. عانقه، وقبله قبلة المساء.. ثم خرج من الغرفة مسرعا...
ولم ينس أن يوصد الباب خلفه...

لحظات من الصمت، والتفكير المشوب بالذنب.. مرت بالوالد... أهي عفويته أم براءته التي أثرت فيه؟ أم هو إحساس المتأصل بالتقصير ؟ أم خيبته في نفسه كـ أب ...
علامات حزن ارتسمت على محياه.. لأنه يدري أن كل شيء ما كان إلا بهفواته...

شعر بحلول موعد هجر هذه الشرنقة، حتى يفتح عينيه على حياته من جديد...

خرج من مكتبه، صعد الأدراج يجر أذيال الحياء... وصل الغرفة، وفتح الباب...
كان هناك، مستلقيا.. متوسدا رأسه الصغير بكفه الأيمن... كم بدا جميلا كالملاك.. متورد الخدين، طويل الأهداب كأمه...

تبسم، ثم جلس بجواره على السرير.

قبله قبلة المساء...
كان بقبلته تلك، يتذكر كل مرة عنفه فيها، كل مرة أخطأ فيها أمجد ارتداء جواربه، أو نسي شيئا من آداب المائدة.. عنفه كما لو كان يبلغ من العمر أربعينه، ومن خبرة الحياه أجمعها...

كان بقبلته تلك.. يتوعد ابنه بغد أفضل... بأيام وسنين يرسمانها سوية بألوان الطيف... بحنان أبيه، وحب أمه سوية...

أنه سيعود بعد غيبة، ليكون أباه مجددا... ليداعبه، ويضحكه، ويساعده عندما يحتاج إليه...
وأحيانا كثيرة ... لينصت إليه وحسب... ليكون رفيقه...

أمجد، بدا كما لو أن قلب والده حدثه بكل شيء، تبسم نائما... مُرحبا بعودة والده من جديد.


×××

للأمانة القصة مستوحاة من رسالة قرأتها في كتاب لـ ديل كارينجي قبل فترة...
أعجبتني فكتبتها على شكل قصة =)

Sunday, November 6, 2011

أنت نهاري وليلي }}




أراك في كل حين، في خفوت ضوء القمر، في انهمار قطرات المطر.. في شروق الشمس وضحكات الأطفال ..

أنت ،، يا نهاري وليلي..
في النهار، أسرح بالتفكير بك.. وأنسج قصصا لم تحدث بيننا.. 
أما في الليل، أتخذ مجلسي المعتاد، بقلمي وورقي اللذان حفظا كل تضاريسك.. لأنخرط في حالة أخرى من حالات السكون التام إليك.. أو الجنون التام بك...

أن يعجب الجميع بما أكتبه إليك وحدك، هو نوع من السخرية التامة.. ونوع من الهزل، الذي لا يخلو من الألم...
وأن أكتب عن الألم ولا أجد ترياقا لألمي لديك، هو نوع من الموت البطيء..

رسائل بأقلام حمراء وزرقاء أكتبها إليك.. عرضها بعرض السماء، وعطرها يفوح من أنفاسك..على ساق حمامة زاجل، أطلقها إليك، لتستدل على طريقها بنورك..
رسائل أسطرها أمام ملأ من البشر، دون أن أكترث، بأن يعلموا كل ما أسره لك قلبي..
رسائل كلما حملتها بين يدي، تحملني إلى الذكريات..

أحب الكتابة إليك.. حتى ولو لم تقرأ ما سطرته يداي... حتى ولو لم يكن لنا في الزمان نصيب.. حتى وإن كان مصيرها مهملات قلبك...
و إن كنت على بعد أميال عني، وسطر من قلمي..
كيف أسطر لك أشواقي ؟ كيف أكتب عن ما لا يستوعبه صغر قلمي، وكبر حبي ..
كيف أعلمك .. أنني ما عدت أنا بعدك.. أنني ما عدت أحب إلا ما أحببته، ولا أذهب الا لمكان احتواك.. ولا أكتب إلا بك أو إليك.. كأن روحي تجردت إليك.. وقلبي يسكنك..


كم هي متعبة الأيام بدونك، وكم هو مرهق فراقي عنك.. يالاسوداد قلبي بعدك.. ويالاشراقه بك..
انت.. يا شمسي وقمري... يا فرحي وبهجتي..
يا ألمي المضني، ووحشتي اللعينة...

كم أشتاق إليك..
كم أود أن أنطق بها، في لحظة انفعال، تأخذني إليك... إلي يدين منقوشتين بالذاكرة، يدين كانتا تحملان كفيّ في كل لحظة انفعال، وكل لحظة وجع...
ليت كل أيامي كانت معك اشكال من الانفعالات.. وليتها كانت كلها لحظات لا تنتهي من هذا الوجع الجميل...


أكون أحيانا على مقدار كاف من الحماقة، لأسرح بأفكاري، حيث تأخذني إليك.. وأتساءل إذا كنت تشتاق إلي.. أو إذا حملتك أشواقك للتفكير بي.. إذا فعلا لم تنسني ؟
اسمح لي بأن أتحامق قليلا.. أن أكذب على نفسي قليلا.. أن أتوهم حبك قليلا...
وأسترسل في أحلام لا تفارقني..
وأتذكر كل ماكان بيننا.. فإن الذكريات هي داء القلب.. والنسيان دواؤه.. والنسيان حل ماعاد واردا لقلبي المعتل...


أتذكر كل كلمة نطقتها.. بتشكيلها ومخارجها، بملامح وجهك وتقاسيمه.. بضحكاتك، وتبسماتك، واستراقك اللحظات، لتتأملني..
أسرح في الذاكرة ... بين كل ما حدث بيننا.. وكل ما لم يحدث...

ذكريات حفرت بالذاكرة، سعادة مؤقتة أدين بها للأقدار.. ثم أحلام رقدت في سلام بلا عودة.. كنت أنت حلمي، ورقدت في قلبي بسلام إلى الأبد..
أحتويك.. لأنني قد أعيش بدونك، ولكنني لا أحيا إلا بك..

Tuesday, October 18, 2011

رجل استثنـــــائي }}



          الكتابة على ضوء القمر هي شكل من أشكال السمر... الذي لا يدركه الا الكاتب والمكتوب إليه... لهذا أكتب إليك في ضوء القمر؛ لأتسامر إليك وحدك.. وأسر حديثي إليك وحدي..
الليلة، حتى عن الكتابة إليك أعجز، ماعاد قلمي قادرا على ترجمة العشق الذي يحمله لك قلبي...حتى الكلمات أخرست في وصف عينيك...
عيناك هما تراجم هيروغليفية، للإسهاب فيها قواعد ونظم.. وللحديث عنها آداب وأصول... والأخطاء في حقها لا تغتفر..
دعني أبحر في لغتك، علمني حروفك لأحترف حبك، علمني الكلمات لأصوغ أشعارا في عشقك...لأنك رجل استثنائي..
وإن رجلا استثنائيا مثلك..
يحتاج إلى كتب تكتب له وحده..
وحزنٍ خاص به وحده...
وموت خاص به وحده...
وزمن بملايين الغرف..
يسكن به وحده..



×××

Friday, October 7, 2011

يومـان




يومان كاملان.. أحدق إلى هذه الورقة البيضاء.. وتحدق إلي..
بانتظار أن أملئها بك، فتحتويك.. كما انا ممتلئة بك، وأحتويك.. يالزينة أوراقي عندما تحتويك، وما أبشعها عندما تخلو منك..

أشتاق إليك، ولا أجد لأشواقي حدودا ،،
لأنني أدرك وجودك في كل شيء حولي.. إلا فيك..



أحب الكتابة عنك أو إليك... لعلها تمر بك ، ولعلك تصغي لأنين قلبي من بعدك..
أكره كل ابتسامة ليست بسببك، وأعوذ من الضحكات بدونك..
كل شيء بعدك رماد، لأن كل شيء كان معك بألوان الطيف. فأنت كما المطر.. تعكس الجمال، وبغيابك تتلاشى كل الألوان.


يسألونني، لماذا أحبه ؟ لماذا لم ينسني الزمن شيئا من الذاكرة؟ كيف أنسى.. وأنت كل الذكريات، وكل ما كان قبلك مجرد سواد.
تسألني لماذا أحبك ؟
لأنك أنت تمثل الجمال في عيني... وربيع فصولي، والأبيض بين ألواني..
أحبك فقط لأنني أحبك..

فراقك عني ما يزيد قلبي إلا لوعة واشتياقًا ولهفة عليك.. فالحب نبته، الفراق ماؤها..
كم أحسد هؤلاء اللذين لم يشعروا بهذا الألم.. وكم أحزن لهؤلاء اللذين لم يتذوقوا طعما لتلك السعادة..
أتساءل عن الأسباب والمسببات.. عن كمية الذنب الذي اقترفته بحقك، لأستحق وجعا كهذا الوجع.. إن جرح القلب... لا يلتئم..
إنه جرح كالسراب، لا يغيب ولا يحضر.. ولا يريحني فيختفي..


أتساءل.. عن تقاسيم يديك.. عن أشكال عناقاتك.. وعن كل التضاريس التي تميزك.. أنا التي حرمت من كل شيء.. إلا نصيبها من الألم.. ونصيبها من الكتابة..
أكتب ... لأن الكتابة هي سقاية الوجع.. لأن وجعي هو أنت.. وأنت هو كل ما أريد..
أتألم لنا وليس مننا.. أتألم لأنه قدري الذي لم أتذمر منه... أتألم لأعيش بك.. وبمقدار الحب يأتي الألم.. أما الان، فبمقدار الألم، يزيد حبي لك..

Monday, October 3, 2011

,, [ ذكريــات [ بقلم سبورة ,,



ركضت إلى تجذب ملابسي وتناديني "أحلام، أحلام"
طالعتها بعينين نصف مفتوحتين وقلت "نعم.."
أشارت إلى المرآة بسبابتها الصغير وقالت "انظري ماذا رسمت !"
حولت ناظري إلى المرآة، لأجد رسمة رسمتها بقلم سبورة أزرق، رسمة طفولية لا تخلو من أخطاء في المقاييس والأبعاد..
كانوا ثلاثة كما يبدو، فتاتان وفتى، الجميع يتشابه في الملامح، احدى الفتاتان طويلة واحداهن قصيرة، ضحكت بيني وبين نفسي.. فمقياس السن في رسم الأطفال هو الطول وحسب..
 الثلاثة يقفون على أرض غير مستوية، أذرعهم الطويلة كانت تلتقي في الأيادي، وشعر الفتاتين يكاد يصل أفخاذهن، الجميع يرتسم بسمة على محياه، وقلوب تتطاير إلى السماء من فرط السعادة..تبسمت وقلت "من هؤلاء؟"تمايلت في وقفتها ثم أشارت إلى الفتاة الطويلة وقالت "هذه أنت." ثم نقلت سبابتها إلى الفتى وقالت "وهذا حسان" عادت تتأملني بعينان تبرقان وقالت "مارأيك؟"
حسان؟
هو مرة أخرى.. حتى على سبورتي..وكأن القدر يتلاعب بي كدمية، يحركني بخيوطه. ويرسم آمالي وأحلامي وسعادتي، على سبورة بيضاء، بقلم طفلة لم تتجازو الثامنة من عمرها..
ليذكرني، كم هو مستحيل هذا المنال..
دمعة... تجمعت في عيني بلا سابق انذار..
تعجبت أختى وقالت بنبرة طفولية مشبعة بالاهتمام "مابك؟"
مسحت دمعتي وحولت حديثنا إلى الرسمة مجددا "ومن هذه الصغيرة؟ أهي أنت ؟؟"
ردت "لا انها ابنتكما".
قلت لها "وهل يد ابنتنا تصل حتى الأرض ؟؟ هل نحن فضائيون ؟"
أصدرت عبير تنهيدة انزعاج "سأصلحها الان"
مسحت الأيدي الطويلة بقطعة قماش كانت معها..

~
لن تُسرق مني دمعة أخرى.. [يكفي!]
لأنني بكيته ألفا وألفا وألفا..بكيته ألف مرة في ألف ليلة..وبألف دمعة حتى نقشته على خدي..وبألف لغة وحرف كتبته..
~
سأضحك، ولو كانت ضحكاتي ضربا من الجنون، سأضحك، حتى ولو كانت ضحكة باكية، ضحكة دمع بها قلبي ألف دمعة..كم كان يلزمني من القوة، ومن الصبر لأطلق تلك الضحكة، لأوهم تلك الصغيرة بأن رسمتها [أسعدتني]..
غادرت..
تركتني، لتذهب وتلعب بدميتها..تركتني، لأستسلم مرة أخرى، لدموع أوهمتني بالانسحاب، برفع راية بيضاء.. بهدنة غير معلومة الأجل..
اسمك قريب جدا من دموعي، كما المسافة بين عيني، قرب الحاء من سين اسمك، وقرب سينك من نون الندم وميمها..
~
أبكي ،، لأنني أودع بقايا الذاكرة، لأنني أمسح الذكريات كما مسحتْ تلك الأذرع الطويلة..

عبير..
لم لم تمسحي القلوب وتستبدلي الضحكات ببسمات مقلوبة ؟!أوليس هذا الواقع؟ أليست هذه الحقيقة؟
الواقع ،، هو أننا فعلا على أرض غير مستوية، على قدر غير عادل، على أمل وهمي لن يتحقق.ارسمي الواقع.. حتى لا تصدمي بحقيقة تعاكس لوحتك، ارسمي ماترينه، وليس ما تتخيلنه أو تأملينه..امسحي القلوب والابتسامات.. والسعادة أيضا..

Wednesday, July 27, 2011

..|| خمســـــــة أعوام من الصمـــت ||..


قيل "لا يغفو قلب الأب، حتى تغفو جميع القلوب"
حقا.. ما عدت أذكر متى غفا قلبي.. ماعدت أذكر متى غفا قلبك أنت ؟!
متى نمتِ واستيقظتِ ؟ متى كبرت وأصبح عمرك سبعة عشر ربيعا ؟


في أي يوم من الخمسة أعوام الماضية، حال قلبك إلى حجر ؟ في أي يوم فقدتِ طفولتك وبراءتك وأنوثتك ؟ في أي يوم توقفتي عن النظر إلى عيني... عن مناداتي بـ [والدي]...


×××


مستلقيا على فراشه البارد، يحدق إلى السقف تارة، وإلى النافذة المغلقة وستائرها المسدلة تارة اخرى.. يتساءل عن أحوال الطقس، وأحوال الناس، أحوال أهله اللذين لم يسمع منهم خبرا منذ اعوام، وعن أمور وطنه الذي يسكنه ولا يسكنه..
في غرفةٍ تعبق برائحة المعقمات المركزة، والأدوية التي اعتاد طعمها المتسلل إلى حنجرته، غرفةٍ كلما تنقل ببصره فيها وجد خزانة أدوية أخرى..


دخلتْ هي إلى الغرفة اليوم... كـ كل يوم...
تغير الكيس الحائم فوق سمائه.. والموشوم بساعده..


بلا أي تبادل للمفردات، فقط بعينين لم تذوقا طعما للنوم منذ خمسة أعوام، عينين تحدقان من خلاله ... لا إليه، على اتساعهما، بنظرات خالية، تحمل دموعا مكتومة، وألما ولوم..


ثم تضع كتابا لـ [نجيب محفوظ] على الطاولة بقربه.. لا يعلم لوضعها له سببا، الا ان شيئا من ذاكرتها النائمة، يذكر حبه العظيم لنجيب..
"إياك أن تفكر بالخروج من هنا ! إنني أحذرك !" تقول مثل كل يوم. وتخرج موصدة الباب خلفها، وتأمنه بالمفتاح.
"وكأنني أستطيع الوصول إلى ذلك الباب الواهن"..
ويظل ساكنا.. يتأمل الفراغ الذي خلفته..


يطالعها بنفس العينين اللتين تسهران الصباح، وتصومان الليل، بنفس القلب الذي لم يهدأ منذ أعوام، والذي مايكاد ينتفض، حتى تسكـته نظراتها، ثم تخمده كلماتها..


××


اليوم دخلت... كـ كل يوم...
تبدل الكيس، ثم تأتي نحوه، بنفس العينين والنظرات.. بنفس المشاعر والألم..


تضع ساعده على كتفها، ثم تحمله إلى الكرسي بجانب سريره، وجسده هو مجرد جلد وعظم، نحيل وواهن.. وعروق تبرز عن جلده سنتميترات..
والصمت يكاد يمزق قلبه أشلاء..


وهي تنحني على السرير، انسدلت خصلات شعرها على خدها..


"تشبهين طفلة، كانت يوما ما أنتِ، كم تشبه عيناك عيناها، وتقاسيمك ملامحها.. طفلة كانت تعبث بمساحيق أمها، وكانت تخالف ارتداء أحذيتها الصغيرة.. طفلة تعلقت بأم لها، وحضن كان لها وحدها، ثم تفاجأت بالقدر يبسط يده ويأخذها.. ثم تصيبها، بنفس الداء.. الذي تحمله عيناك، وينزف به قلبك.. كما نزف به قلب أمك.. وجميع جداتك.. " ..


عادت لتعزله مرة اخرى في منفاه..
فوضعت ساعده على كتفها ..
في خطوتها الأولى، تعثرت بفستانها، فسقطا على الأرض، بعيدا عن بعضهما..


آلام تجمعت على مدى الأيام، كأوراق فصل خريف، لم تجمع من الأرض.. وتُــركت لتتراكم وتتراكم وتتراكم..
كالغمامة التي تخيم على قلبها، والعذاب الذي يسامر وجدانها..


مرت لحظات...
مرت ثوانٍ..
مرت دقائق.. وهي ساكنة مكانها بلا حراك.. حتى التفتت إليه بحدة، توسط بؤبؤيها عينيها، بحقد يكاد يشنق رقبته..


صرخت صرخة واحدة..
أطلقتها من أعمق نقطة بحنجرتها، صرخة طويلة مستمرة..
كانت تصرخ، حتى شعر بالأرض تهتز تحت قدماه، وبشعر جسده يقف منتصبا، وأحس بالرعب يدب في عروقه...


عاجزا عن الحراك، جلس ساكنا..
عاجزا عن الحديث، لم ينبس ببنت شفة..
عاجزا وحسب، راقبها، تصرخ، وصرخاتها تتعالى حتى اهتزت جنبات المكان..
"هل السبب هو ارتطام ركبتيك بأرضية الرخام الباردة؟"


صمتت بلا مقدمات.. ثم أسرعت بالوقوف وهرعت خارج الغرفة، مرت لحظات، حتى عادت بسكين في يدها.
موجة من الخوف المطلق شقت طريقها عبر عروقه إلى كل أطراف جسده، كتيار كهربائي عال التوتر، فكر دون كلمات "ماذا ستفعلين؟"
بعينيها البنيتين صاحت "أخفت ؟ هل خفت يا علاء ؟"
حاول أن ينطق ولو بحرف واحد، لكن مخارجه المشلولة ردت بأحرف مبهمة..
"أعلم أنك جبان !"


أمسكت بخصلات من شعرها، ورفعت السكين، وجعلت تقص تلك الشعيرات.
بينما كان يراقبها، صامتا، مترقبا، مرتعبا..


"أكرهك. إنني أكرهك." قالت بنبرة هادئة مهموسة، كأنما تحدث نفسها. "لقد سئمته.. سئمت .. سئمت شلله... تمتماته الغير مفهومة .. سئمت كرهه حتى.. تبا .. لابد من إيجاد حل الآن".


كانت خصلات شعرها تتوالى في السقوط تباعا.. وأجزاء من فروة رأسها الحليقة تظهر للعيان.
"سوف أنهي كل هذا" همست لنفسها.


اقتربت منه بخطوات متقاربة، بطيئة.
وكأن وقع خطواتها سيمفونية تضحية سانتيرية، تعزفها الأرض التي تمشي عليها، وتحدث بنهاية مشؤومة، مقدورة منذ خمس سنوات.


كعادتها تنظر خلاله، وليس إليه.
حتى صارت على بعد إنشات منه..
رفعت السكين..


كان ينقل ناظريه إلى عينيها الغائبتين تارة، وإلى سكينها تارة أخرى.. مترقبا مصيره .. على يد ابنته الصغيرة..


ومع جنون الموقف برمته.. كانت جملة واحدة تدور برأس هذا الأب، تردد صداها، كما لو كانت هي التي تحتويه..


"أسامحك يا ابنتي"
هوت دمعة بلا استئذان من عينيه، وكأنها جملته التي نطقت بها عينيه عوضا عن شفتيه.. بعد خمسة أعوام من الصمت.. من قلبه، وليس لسانه، بتعابيرها ومعانيها كاملة..


تأملت تلك الدمعة.. وكأنها ترى شيئا ما، لأول مرة..
وبلا سابق إنذار، حولت مسار السكين إلى قلبها، وغرستها في قلبها.. وخرت صريعة بجانبه..
انتشرت دماؤها حتى لوثت ملابسه القطنية الخفيفة.. وعبق دماؤها ينتشر ممزوجا برائحة المعقمات والأدوية التي شربتها الجدران حتى تشبعت ..


هذه المرة، لم ينطق أيضا.. وهذه المرة تمتم بأحرف مبهمة، أيضا.. وحتى عينيه، لم تشأ أن تتحدث أيضا، كانت حواسه.. تراقب فقط..
لأن الالام، كالبراكين تماما... عندما تثور، تهدم كل ما حولها..
وهاهو جسده الان، يتشرب تلك الالام، ويتجرعها.. حتى يثور بركانه يوما ما...


~

Thursday, July 21, 2011

إلى الوطن

’’

أودعك اليوم، بعد عدة أيام من ركوبك على متن قطار اللاعودة..أودعك بشيء من الحزن المزعوم، وكثير من اللامبالاة..
لا أخفي عليك سرا، ايها النصف المبهم، أنني فعلا، كنت أترقب هذا اليوم، الذي تبتر فيه..
و [مطرح مايسد ما يرد] أيها الجنوب الـ عزيز ... أتمنى أن تحب أصدقاءك المقنعين الجدد..
سلاما.. أيها الجنوب..


............................ قبلات..

إلى نصف خارطتي الأم، نصفا كنت يوما أسميه الوطن، دون أن أستشعر منه أدنى احساس بالانتماء..


............................ عناقات..

إلى قوم أتمنى أن يجدوا في موطنهم الجديد، الكرامة والحب الذي لطالما بحثوا عنه بين الشماليين.. [الشماليين الخطأ]
وفعلا.. أتمنى ألا تؤلمكم صخرة الواقع، في الجنوب، بانعدام التعليم، والرعاية الصحية..
لا تذرفوا الدموع.. الواقع انها تضحية قبل بها 97% منكم..


............................ أما هؤلاء..

اللذين لم يهدأ لهم بال، حتى حدث ماحدث، اللذين حركونا بخيوط وهمية، ربطوها بنا ونحن نغط في نوم عميـــــــــــــق ..
هنيئا.. هاكم الجنوب.. وجبة دسمة على طبق من الغباء المحض..


فليرفع الستار..
ولتبدأ مسيرة الاستعمار الجنوبي حبوًا..


،،

Wednesday, July 20, 2011

أعود إليه .. [مجددا ~

أعُـــودُ إليــــــــــهِ ... [ مُجَــــدَدا ] ~


~{{..................




جو غريب ولد من دقائق كان فيها صمتنا أبلغ من الحديث.. فضوله الصحفي حولي، كان جليا حتى في حديثه اليومي..
يطالعني بعينين متسائلتين دون سؤال.. ويرمقني بنظراته محاولا كسري.. لكنني سرعان ما أخلف قدماي في جلستي وأرجع ظهري إلى الخلف محافظة على هدوئي وصمتي..
أستطيع أن أقرأ نظراته.. وهو يحاول أن يفهمني.. أو يجد خيطا يستدل به إلى مدخلٍ لعقلي..
"إذا أنت تكتبين قصصك عن نفسك؟" قال بعد صمت دار أكثر من ساعة..
لم أدري أهو جانبه الصحفي أم غيرته تتحدث..
إننا.. نكتب عن أكثر ما نعرفه.. لا تجد سياسيا يكتب نثرا عن الحب.. ولا تجد شاعرا يكتب الطب..
أجبته قائلة "ليس دائما"..
ابتسمت نصف ابتسامة، ثم أردفت.. "لو كتبت امرأة قصة عشق.. افترض الجميع أنها عنها.. وما يلبثوا أن يبحثوا في ماضيها عن أي أثر للعشيق الغامض".
"لكن ليس هذا ما يحدث معي.. أنا فقط.. أستنبط محور كتاباتي من حياتي.. وليس كل شيء فيها.. الكاتب يرى الإلهام في كل ما حوله.."
قلت كلماتي ثم وقفت عن الكرسي وحملت حقيبة يدي وهممت بالمغادرة..
علق عينيه علي .. بنظرات لا تخلو من التعجب المكتوم..
غادرت..
تركته معلقا، لا أملك له أجوبة.. وهو لا يعرف ماهي أسئلته..



،،



قطرات المطر، مثل ضحكاتك، تتشابه..
شفافة مثل ضحكاتك..
مستفزة مثل ضحكاتك..
أجلس أمامك، مجردة، هشة، ضعيفة..


ترتشف قهوتك سوداء.. كأيامي..
تتجرعها باستفزاز، وأنا أتصنع الكبرياء..
أنظر إليك نظرات فارغة، خاوية.. خالية من أي معالم ضعف قد تمدك بشيء من القوة..
أشرب قهوتي بالحليب، والكثير من الرغوة..
ربما لأن عنادي يعاكس قهوتك، وربما لأنني أختلق نوعا من التوازن ... معك...
وضعتَ مكعبا آخر من السكر..
ثم ارتشفت رشفة أخرى، ورسمت معالم رضا على محياك..
ابتسمتُ نصف ابتسامة، مجاملة من نوع لا تستحقه..
"أيام معطوبة إذا؟؟.. أوليست رواية رائعة؟" قال بنصف ابتسامة باهتة..
"أجل.."
"لقد أصدرت ضجة في الوطن، لقد أبدعتِ فعلا"
"أعلم هذا.."
ثبتُّ عينيّ على عينيك.. ما الذي جئت من أجله؟ ماذا تريد بعد أن دخلت دنياي وقلبتها رأسا على عقب، وعبثت بكل أثاثها .. وشخبطت بكل الألوان على جدرانها.. ماذا تريد ؟
بعد ان كنت اللون الأبيض، وكنت جزءا من كل لون .. تعكس كل شيء.. وكل شيء يعكس عينيك..
غبت، وغابت معك كل الألوان.. وغابت روائح كل العطور، ولذة أي طعم..
عدت الآن..
أما آن لقلبي أن يستريح.. ؟
قلت وكأنك قرأت أفكاري "بصراحة..." ثم تأملت عينيّ لثوان في صمت، لتجبرني على صدق لم أكن لأخلفه.. "هل روايتك.. تتحدث عني وعنك ؟"
لم أفهم النظرة التي حملتها عينيك في تلك اللحظة.. لم أدري القصد من سؤالك؟
لم أدري إذا كنت تبحث عن البطلة في عيناي، عن حزنها وألمها، وعن اختياراتها ..
وعن الليالي التي قضتها تتنفس أوراق بيضاء عقيمة، ودموع انخرست ولم تنتفض..
أتبحث عن (ميساء) في عينيّ ؟
سطرت أحمدها ألف مرة، وبألف لغة، وبألف نهاية..
وبكته ألف مرة، وبألف دمعة..
وماكانت تزداد إلا حرقة وشوقا إليه..
ميساء.. التي كانت تكتب اسمه على الكتب وعلى الجدران سواء.. على الورق والماء سواء.. وكأن كتابه اسمه تشفيها، وما زادتها الا داء....
نعم، [ أنا ميساء ]..



تأملته لثوان، انعقد لساني لثوان، في لحظة واحدة، تأملت فيها عينيك، تبادر إلى ذهني كل كلمة حب، وكل كلمة عشق، أغزلها تحت سواد شعرك الحالك، وسمرتك الغجرية، وغمازتيك الساحرتين..

لم ألحظ نظراتي التي كانت تلتهم عينيك، حتى قلت لي.. "أمل.."
خفضت نظري إلى كوب القهوة، ثم رددت "نعم، خالد"
"اشتقت إليكِ"
حملت يديّ بين يديك.. بلا مبرر، ولا مقدمات..
خفضت نظري إلى يدي التي كانت ترجف، طربا.. وبهجة وغبطة..
وقلبي الذي ينبض متسارعا، ليصل إليك..
لكن بريقا ذهبيا استوقفني.. بريقا ليس كغيره، بريقا أصغيت لكلماته واحدة تلو الأخرى..
صحيح..
وكأنني نسيت نفسي لوهلة.. طالعتُ الخاتم الذهبي حول خنصري.. ثم سحبت يدي في صمت..
حتى لا تعتاد على يديك.. ولا تئن لفراق يديك.. وترفض يديه هو بعد أن احتوتها يديك..
"لقد تأخرت يا خالد... انتظرتك كثيرا"..
تأملني بعينيه.. تأملني.. أنا..
وقفت، لأخرج من هذا المكان، بعد هذا اللقاء الغريب.. بعد زلة القدر هذه... لأستعيد شيئا من أنفاسي المتسارعة.. وشيئا من ذاتي المفقودة..
ثم أعود إليه....
كما عدت مئات الليالي.. لأنني دائما سوف اعود إليه...


}}~