Tuesday, December 13, 2011

حـــلوى الكـــراميـــل




تفقد الأشياء معناها بالتكرار، وتفقد الأيام ألوانها بالروتين.. وأنا أفقد بهجتي... بفقدانك أنت قربي..

أيام تمر تباعا، دون أن أجد وقتا لأتدارك به نسمات الهواء، وحفيف الأشجار.. أو غناء الطائر القمري..
أيام روتينية، مملة، رمادية تماما...

أنت ربيعي، وقوس مطري، وسبب كل ابتساماتي.. كم أفتقد وجودك في أيام كهذه، كم أفتقد كلماتك التشجيعية، مزاحك السخيف، والتعابير الغريبة التي تصنعها بملامحك...
كم أحتاج لأن أبكي بين يديك الآن، و تبكي أنت من أجلي... وتخبرني انني سأكون على مايرام...
.
.
.

أتراك تفكر بي الآن ؟
×××

عندما تنشغل عقولنا بالتفكير، تأتي كل الأفعال والردود بصورة تلقائية...
كل أفعالي أصبحت أفعالا تلقائية، وكل كلماتي ترديدا.. حتى ابتساماتي باتت شكلا من أشكال العادة..

كنت أفكر بنفس مشاكلي التي لا تنتهي مع الدراسة، شهيتي المضمحلة وروحي المنهزمة أمام أحداث حياتي.. وأنني ببساطة سئمت كل شيء.. أنني أريد العودة إلى منزلي وحسب.. أريد أن أغادر وأختفي للأبد...

أسندت رأسي إلى الطاولة، كنت أستمع ولا أصغي لأغنية ما.. لأحجب كل الأصوات عني، أو لأحجبني عن الحياة...

شعرت بأحدهم يقف أمامي، وبدون أن أراه، اخترت أن أتجاهله عله يبتعد.. لكن محاولاتي باءت بالفشل عندما مد قلم رصاص ليلكزني...

رفعت رأسي...
وإذا بي أتبسم بلا شعور.. وقلبي يخفق متسارعا، وعيناي تشعان بالسعادة...

-          "متى تنتهين اليوم؟"
-          "في الساعة الرابعة.. ولدي بعض الأوراق أريد أن أستلمها من علياء... هذا كل شيء"
-          "ما رأيك أن نغادر في الساعة الرابعة والنصف ؟"
-          "حسنا"

أدخل يده في جيبه، وأخرج يده محكما قبضته على شيء ما... تبسم وقال
-          "اطرقي الباب"
-          "دق دق"

فتح يديه، واذا بها حلوى كراميل ... أخذتها وتبسمت بامتنان، وحده يعرف كم أحب هذه الحلوى.. ووحده يدرك أنها بلا منافس عندما تكون منه هو..
اقترب مني، وهمس لي..
-          "يوجد الكثير منها لدي، ولو رأيتك بهذه الحالة مرة أخرى فلن أعطيك إياها"
ضحكت وقلت "حااااااضر"

×××

صعدنا إلى الباص، كعادتك تسبقني لتجد مكانا لنا سوية..
جلسنا في المؤخرة، وما ان بدأ بالسير، حتى التزمنا  الصمت مرة أخرى...
عبثا كنت تحاول تارة بعد أخرى كسر هذا الصمت.. بأسئلة كنت أحيانا تعرف أجوبتها، أو جمل منتهية أرد عليها بإيماءة وابتسامة..

 صمتٌ لم يكن أكثر من خجل مكتوم، ومشاعر مدفونة..
صمتنا لنا وحدنا، وحدي أتدارك الكلمات التي لم تأخذ حريتها من شفتيك.. وحدي أعي مخارج حروفك، وأشكال ثرثرتك...

عندما نحب، نتفرد في تشكيل كل شيء حولنا، ليعطي معان أخرى لندركها وحدنا، إننا نخلق كل شيء ليكون من أجلنا ولنا فقط... إننا نحب أن نضع من نحب فوق كل شيء، وعلى كل شيء، فقط ليكون دائما في الذاكرة... لأنه هو أحلى من في الذاكرة...

لم أشعر بتلك الدقائق العشر التي كانت تفصلني عن منزلي وهي تعدو عدو الرياح..
كنت قد اقتربت من محطتي عندما قلت لي "سأخبرك بشيء ما"
نظرتَ حولك وفكرت... ثم قلت "سأخبرك قبل أن تغادري"
كانت مجرد مسألة دقائق حتى وصلت... وقفت لأغادر وقبل أن أستدير...

أمسكت بيدي ونظرت لعيني وقلت
"أحبك"
.
.
.

كان من الممكن أن أرد بأنني أحبك أيضا، أو أتجاهل محطتي ببساطة وأبقى معك حتى النهاية، أو أي فعل يعبرني بشكل أفضل.. لكنني لم أرد.. ولم أتبسم إلا نصف ابتسامة... وغادرت على عجل...

وما إن نزلت...
حتى تسمرت قدماي لدقائق... ثم اتسعت ابتسامتي بالتدريج..
كان عقلي مشغولا بالتفكير.. فسرت في طريقي بشكل تلقائي...

إن الوصف للحظة كتلك، لا يوفِي.. والتعابير مهما تزاحمت، فإنها لا تكتب.. إنها سعادة شأنها شأن الشمس، تدفئ الجسد حتى النخاع.. وشأنها شأن الوباء الجميل انتشارا في الجسد ...

كنت أمشي في طريقي، أضحك كالمعتوهة.. أكاد أركض من فرط السعادة..
وكما كان عقلي مشغولا بالتفكير، كانت ردة فعلي أنني التفت حولي، ثم قفزت على الرصيف فرحا...

×××

Friday, December 9, 2011

ثَــــأْر الرِمَـــال



{{ مدخل ~

القصة بالاشتراك مع الكاتب الرائع والمبدع big bad wolf :)
مدونته [[ هولاكيــات ]] تجدونها في الرابط هنا
إنها المرة الأولى التي أجرب فيها الإشتراك مع كاتب آخر في قصة قصيرة، كانت تجربة ممتعة فعلا، وأتمنى أن تكرر مجددا ^_^
أتمنى تحوز على إعجابكم ~

×××

قال:
-          لقد أعطيتك كل ما أملك, و الآن و أنا على فراش الموت أريد أن أسئلك ماذا كنت تريدين أكثر من هذا يا ترى؟ 

قالت:
-          لا أريد كل ما تملك, كنت أريد قلبك فقط.
قال:
-          لقد كان ملككِ منذ دهور .... منذ اليوم الأول الذي قابلتكِ فيه.

×××

الشمس، هي كالحياة تماما...
لها أوجه عدة، ومزاجات متقلبة.. لها دفؤها وحرقتها...
الشمس واحدة، ومع ذلك فإنها تختلف في كل مكان... ففي كل مدينة هي بحلة أهلها...في كل بقعة من الأرض لها هالتها المميزة.. تارة تبعث حرارتها حتى تذيب ثلوج القلوب، وتارة تبث دفئها بثّها للسعادة والبهجة في النفوس...

أما في جزيرة العرب، فهي شمس تكاد تلون بلون أحمر قاني، لون يشبه كثيرا قلوب أهلها...
قلوب غُلفت بأحقاد تتراكم تراكم أوراق الخريف، وآلام تولد مع أغشية الأجنة...

×××

في ظهيرة توسطت الشمس فيها كبد السماء، وتلاشت فيها الغيوم، كان السوق كعادته في كل يوم يعج بالحركة، باعة يروحون ويجيئون، أصوات تعلو فجأة ثم تختفي، مشاحنات مع الزبائن، أطفال يلعبون...

 و في خضم هذه الأحداث كانت هناك سيدة عجوز ضريرة تتجول في الأرجاء، بعصا تتوكأ عليها، ثقيله الحركة، أنفاسها ببطء  حركتها، شعرها الأبيض ينسدل تحت شالها الأسود..  بثياب أهلكتها الأيام، وسنين أغبرها التعب..

تمشي في ديار لم تعرف أزقتها وشوارعها، متعثرة ببعض الحجارة في الطريق, بحيرة تتخلل كل خطوة...

كان انزعاجها من الأصوات جليا على ملامحها، كان هناك رجل واقف على جانب الطريق.. ضخم الجثة، كث الشارب واللحية، بتجاعيد شكلت ملامح وجهه.. فتوقفت لوهله على مقربة منه و أرهفت السمع قليلاً ثم قالت و هي تنظر في السماء:

-          عجوزاً ضريرة تريد المساعدة أيها العرب!
التفت إليها ورد بصوت جزل عميق..
-          نعم، بماذا يمكنني أن أساعدك سيدتي؟
-          أيمكنك أن ترشدني على بئر بني غانم الواقعه على أطراف المدينة؟  فإنني غريبة عن هذه المدينة..  و لا أملك ما يرشدني غير عصاي.

لم يحرك ساكناً للحظات ثم أمسكَ بعصاها و تقدم في صمت مطبق.. وأخذها بوقع خطوات سريع إلى مكان خارج السوق.. كانت تلاحظ تلاشي أصوات الإزعاج شيئا فشيئا... حتى توقف تحت شجرة كبيرة..

توقف عن الحركة و هو لا يزال مولياً ظهرة ناحية العجوز , ثم طقطق برأسه نحو الأرض من دون أن ينطق بكلمة واحده, فشعرت العجوز بذعر خفي و أرادت أن تنطق بكلمة واحده و لكن و قبل أن تفتح شفاها قال الرجل الضخم بصوته الجزل العميق:

-          ها نحن ذا بعيدان عن الأنظار...

توجست خيفة و أستطردت بصوت متلعثم:
-          هل وصلنا نحو وجهتنا يا أخ العرب؟ هل هذه هي بئر بني غانم؟
 ألتفت صوبها و وقف أمامها، متمثلا بعينها كما لو أنه قد جُنّ جنونه ...
-          يمكنك أن تقتليني الآن يا خولة...

صمتت، ثم انقلبت عيناها كما لو كانت عينا صقر مميت .. حدت نظراتها إليه..
قالت في صوت دفين يحمل ضغينة شديدة:
-          اذا فقد عرفتني يا رعد... لم أتصور أنك ستذكرني بعد كل هذه السنين المريرة.

شرد بصره و قال بصوت شابه بعض الحزن:

-          كنت أعلم أن هذا اليوم قادم لا محالة يا خولة.

برقت عيناها في شدة
-          استعد  إذاً لتتذوق من نفس الكأس ..

أدخلت يدها في كمها ببطء، وأخرجت منه خنجرا ذو رأس شديد الحدة، ومقبض ذهبي مزخرف بزخارف سوداء.. حملته بكل ذرة حقد في قلبها.. تجسد في عينيها ماض لم يبرأ من الألم، وجرح لم يُقَدّر له الإلتام...

كان يقف بصمت يهز الجبال، وشموخ أمام زعزعة الأقدار... يحدق إليها وحسب..
تقدمت منه بحذر، حتى أنها لم تثق بأي كلمة قالها..

كانت تطيل النظر في عينيه، بانتظار أدنى إشارة تحذرها، لكنها كانت تتجاهل نورا غريبا ينبثق من عينيه.. عيناه كانتا تتوهجان بنور عجيب..

قبض على يديه بشده.. فنقلت بصرها إلى يده فتمتمت بعصبيه :

-          أتحاول أن تفعل شيئا ما ؟

أجابها في لهجة واثقة:
-          لا خولة لن أفعل أي شيء.

سألته في لهجة ساورها الشك:
-          ما هذا الذي بيدك ؟

مد يده وفتحها أمام ناظريها، أطلت على ما كان يحمله في يمناه..
كانت تميمة صغيرة كما يبدو.. خيط صغير علق عليه خرزات حمراء.. ومن صغر حلقة الخيط، بدا كأنه لشخص نحيل جدا.. أو طفل صغير السن..
لاذت العجوز بالصمت..

نظر عميقا إلى عينيها، ثم قال:
-          إنها لابني الصغير.. توفي قبل ستة أعوام، ولم يتجاوز العاشرة... علمت أنه القدر يأخذه كما أخذت ابنك رشيد بيدي... علمت أنك ستأتين عاجلا أم آجلا...

قالت له في صوت منفعل:
-          هل ترواغ لتستعطفني يا رعد؟
نكس برأسه ناحيه الأرض و قال بلهجه أثارت بعض الأطمئنان في نفسها:
-          هل أبدو لك كذلك ؟

تبدلا النظرات لثوان...
عيناها المكتحلتان بكحل أسود كغسق الليل، كانتا ذهبيتان بلون العسل، ولون النار الموقدة.. بـ تجاعيد رسمتها السنوات على تقاسيم وجه لم يعرف الا قسوة البادية...

شرارات حقد كانت تنبثق من عينيها، بقلب أسود لم يعرف النوم عشرون عاما، بسبب نار غل لم تنطفئ...

-          لقد أدركت كيف يشعر المرء عندما يفقد شيئا كان من ضلعه.. اذا فإنني أثق بأنك لن تغدر بي..
اقتربت منه بخطوات واثقة... بينما ظل هو صامتا... فقالت:
-          لطالما أحببتك و أحترمتك يا رعد... لكنني أثأر لدمه.

رفعت يدها
أغمض عينيه بشدة...

غرست السكين في قلبه غرسة واحدة، بكل ما أوتيت من قوة.. تبعتها عدة غرسات، كان يصرخ فيها من الألم، حتى خر صريعا على الأرض...

بينما راقبته يلفظ أنفاسه الأخيرة... ودماؤه تعود لتمتزج بأرض كانت منها يوما...
راقبته حتى توقف عن الحراك... مدت يدها لتجس نبضه.. لقد أزهقت روحه.. تأملته لعدة دقائق مستلقيا على التراب..

تنفست الصعداء أخيرا..ارتاح وجدانها أخيرا..
ألقت بخنجرها على دمائه.. ثم ألقت عصاها... وتركته خلفها.. وغادرت.

×××