Wednesday, July 27, 2011

..|| خمســـــــة أعوام من الصمـــت ||..


قيل "لا يغفو قلب الأب، حتى تغفو جميع القلوب"
حقا.. ما عدت أذكر متى غفا قلبي.. ماعدت أذكر متى غفا قلبك أنت ؟!
متى نمتِ واستيقظتِ ؟ متى كبرت وأصبح عمرك سبعة عشر ربيعا ؟


في أي يوم من الخمسة أعوام الماضية، حال قلبك إلى حجر ؟ في أي يوم فقدتِ طفولتك وبراءتك وأنوثتك ؟ في أي يوم توقفتي عن النظر إلى عيني... عن مناداتي بـ [والدي]...


×××


مستلقيا على فراشه البارد، يحدق إلى السقف تارة، وإلى النافذة المغلقة وستائرها المسدلة تارة اخرى.. يتساءل عن أحوال الطقس، وأحوال الناس، أحوال أهله اللذين لم يسمع منهم خبرا منذ اعوام، وعن أمور وطنه الذي يسكنه ولا يسكنه..
في غرفةٍ تعبق برائحة المعقمات المركزة، والأدوية التي اعتاد طعمها المتسلل إلى حنجرته، غرفةٍ كلما تنقل ببصره فيها وجد خزانة أدوية أخرى..


دخلتْ هي إلى الغرفة اليوم... كـ كل يوم...
تغير الكيس الحائم فوق سمائه.. والموشوم بساعده..


بلا أي تبادل للمفردات، فقط بعينين لم تذوقا طعما للنوم منذ خمسة أعوام، عينين تحدقان من خلاله ... لا إليه، على اتساعهما، بنظرات خالية، تحمل دموعا مكتومة، وألما ولوم..


ثم تضع كتابا لـ [نجيب محفوظ] على الطاولة بقربه.. لا يعلم لوضعها له سببا، الا ان شيئا من ذاكرتها النائمة، يذكر حبه العظيم لنجيب..
"إياك أن تفكر بالخروج من هنا ! إنني أحذرك !" تقول مثل كل يوم. وتخرج موصدة الباب خلفها، وتأمنه بالمفتاح.
"وكأنني أستطيع الوصول إلى ذلك الباب الواهن"..
ويظل ساكنا.. يتأمل الفراغ الذي خلفته..


يطالعها بنفس العينين اللتين تسهران الصباح، وتصومان الليل، بنفس القلب الذي لم يهدأ منذ أعوام، والذي مايكاد ينتفض، حتى تسكـته نظراتها، ثم تخمده كلماتها..


××


اليوم دخلت... كـ كل يوم...
تبدل الكيس، ثم تأتي نحوه، بنفس العينين والنظرات.. بنفس المشاعر والألم..


تضع ساعده على كتفها، ثم تحمله إلى الكرسي بجانب سريره، وجسده هو مجرد جلد وعظم، نحيل وواهن.. وعروق تبرز عن جلده سنتميترات..
والصمت يكاد يمزق قلبه أشلاء..


وهي تنحني على السرير، انسدلت خصلات شعرها على خدها..


"تشبهين طفلة، كانت يوما ما أنتِ، كم تشبه عيناك عيناها، وتقاسيمك ملامحها.. طفلة كانت تعبث بمساحيق أمها، وكانت تخالف ارتداء أحذيتها الصغيرة.. طفلة تعلقت بأم لها، وحضن كان لها وحدها، ثم تفاجأت بالقدر يبسط يده ويأخذها.. ثم تصيبها، بنفس الداء.. الذي تحمله عيناك، وينزف به قلبك.. كما نزف به قلب أمك.. وجميع جداتك.. " ..


عادت لتعزله مرة اخرى في منفاه..
فوضعت ساعده على كتفها ..
في خطوتها الأولى، تعثرت بفستانها، فسقطا على الأرض، بعيدا عن بعضهما..


آلام تجمعت على مدى الأيام، كأوراق فصل خريف، لم تجمع من الأرض.. وتُــركت لتتراكم وتتراكم وتتراكم..
كالغمامة التي تخيم على قلبها، والعذاب الذي يسامر وجدانها..


مرت لحظات...
مرت ثوانٍ..
مرت دقائق.. وهي ساكنة مكانها بلا حراك.. حتى التفتت إليه بحدة، توسط بؤبؤيها عينيها، بحقد يكاد يشنق رقبته..


صرخت صرخة واحدة..
أطلقتها من أعمق نقطة بحنجرتها، صرخة طويلة مستمرة..
كانت تصرخ، حتى شعر بالأرض تهتز تحت قدماه، وبشعر جسده يقف منتصبا، وأحس بالرعب يدب في عروقه...


عاجزا عن الحراك، جلس ساكنا..
عاجزا عن الحديث، لم ينبس ببنت شفة..
عاجزا وحسب، راقبها، تصرخ، وصرخاتها تتعالى حتى اهتزت جنبات المكان..
"هل السبب هو ارتطام ركبتيك بأرضية الرخام الباردة؟"


صمتت بلا مقدمات.. ثم أسرعت بالوقوف وهرعت خارج الغرفة، مرت لحظات، حتى عادت بسكين في يدها.
موجة من الخوف المطلق شقت طريقها عبر عروقه إلى كل أطراف جسده، كتيار كهربائي عال التوتر، فكر دون كلمات "ماذا ستفعلين؟"
بعينيها البنيتين صاحت "أخفت ؟ هل خفت يا علاء ؟"
حاول أن ينطق ولو بحرف واحد، لكن مخارجه المشلولة ردت بأحرف مبهمة..
"أعلم أنك جبان !"


أمسكت بخصلات من شعرها، ورفعت السكين، وجعلت تقص تلك الشعيرات.
بينما كان يراقبها، صامتا، مترقبا، مرتعبا..


"أكرهك. إنني أكرهك." قالت بنبرة هادئة مهموسة، كأنما تحدث نفسها. "لقد سئمته.. سئمت .. سئمت شلله... تمتماته الغير مفهومة .. سئمت كرهه حتى.. تبا .. لابد من إيجاد حل الآن".


كانت خصلات شعرها تتوالى في السقوط تباعا.. وأجزاء من فروة رأسها الحليقة تظهر للعيان.
"سوف أنهي كل هذا" همست لنفسها.


اقتربت منه بخطوات متقاربة، بطيئة.
وكأن وقع خطواتها سيمفونية تضحية سانتيرية، تعزفها الأرض التي تمشي عليها، وتحدث بنهاية مشؤومة، مقدورة منذ خمس سنوات.


كعادتها تنظر خلاله، وليس إليه.
حتى صارت على بعد إنشات منه..
رفعت السكين..


كان ينقل ناظريه إلى عينيها الغائبتين تارة، وإلى سكينها تارة أخرى.. مترقبا مصيره .. على يد ابنته الصغيرة..


ومع جنون الموقف برمته.. كانت جملة واحدة تدور برأس هذا الأب، تردد صداها، كما لو كانت هي التي تحتويه..


"أسامحك يا ابنتي"
هوت دمعة بلا استئذان من عينيه، وكأنها جملته التي نطقت بها عينيه عوضا عن شفتيه.. بعد خمسة أعوام من الصمت.. من قلبه، وليس لسانه، بتعابيرها ومعانيها كاملة..


تأملت تلك الدمعة.. وكأنها ترى شيئا ما، لأول مرة..
وبلا سابق إنذار، حولت مسار السكين إلى قلبها، وغرستها في قلبها.. وخرت صريعة بجانبه..
انتشرت دماؤها حتى لوثت ملابسه القطنية الخفيفة.. وعبق دماؤها ينتشر ممزوجا برائحة المعقمات والأدوية التي شربتها الجدران حتى تشبعت ..


هذه المرة، لم ينطق أيضا.. وهذه المرة تمتم بأحرف مبهمة، أيضا.. وحتى عينيه، لم تشأ أن تتحدث أيضا، كانت حواسه.. تراقب فقط..
لأن الالام، كالبراكين تماما... عندما تثور، تهدم كل ما حولها..
وهاهو جسده الان، يتشرب تلك الالام، ويتجرعها.. حتى يثور بركانه يوما ما...


~

Thursday, July 21, 2011

إلى الوطن

’’

أودعك اليوم، بعد عدة أيام من ركوبك على متن قطار اللاعودة..أودعك بشيء من الحزن المزعوم، وكثير من اللامبالاة..
لا أخفي عليك سرا، ايها النصف المبهم، أنني فعلا، كنت أترقب هذا اليوم، الذي تبتر فيه..
و [مطرح مايسد ما يرد] أيها الجنوب الـ عزيز ... أتمنى أن تحب أصدقاءك المقنعين الجدد..
سلاما.. أيها الجنوب..


............................ قبلات..

إلى نصف خارطتي الأم، نصفا كنت يوما أسميه الوطن، دون أن أستشعر منه أدنى احساس بالانتماء..


............................ عناقات..

إلى قوم أتمنى أن يجدوا في موطنهم الجديد، الكرامة والحب الذي لطالما بحثوا عنه بين الشماليين.. [الشماليين الخطأ]
وفعلا.. أتمنى ألا تؤلمكم صخرة الواقع، في الجنوب، بانعدام التعليم، والرعاية الصحية..
لا تذرفوا الدموع.. الواقع انها تضحية قبل بها 97% منكم..


............................ أما هؤلاء..

اللذين لم يهدأ لهم بال، حتى حدث ماحدث، اللذين حركونا بخيوط وهمية، ربطوها بنا ونحن نغط في نوم عميـــــــــــــق ..
هنيئا.. هاكم الجنوب.. وجبة دسمة على طبق من الغباء المحض..


فليرفع الستار..
ولتبدأ مسيرة الاستعمار الجنوبي حبوًا..


،،

Wednesday, July 20, 2011

أعود إليه .. [مجددا ~

أعُـــودُ إليــــــــــهِ ... [ مُجَــــدَدا ] ~


~{{..................




جو غريب ولد من دقائق كان فيها صمتنا أبلغ من الحديث.. فضوله الصحفي حولي، كان جليا حتى في حديثه اليومي..
يطالعني بعينين متسائلتين دون سؤال.. ويرمقني بنظراته محاولا كسري.. لكنني سرعان ما أخلف قدماي في جلستي وأرجع ظهري إلى الخلف محافظة على هدوئي وصمتي..
أستطيع أن أقرأ نظراته.. وهو يحاول أن يفهمني.. أو يجد خيطا يستدل به إلى مدخلٍ لعقلي..
"إذا أنت تكتبين قصصك عن نفسك؟" قال بعد صمت دار أكثر من ساعة..
لم أدري أهو جانبه الصحفي أم غيرته تتحدث..
إننا.. نكتب عن أكثر ما نعرفه.. لا تجد سياسيا يكتب نثرا عن الحب.. ولا تجد شاعرا يكتب الطب..
أجبته قائلة "ليس دائما"..
ابتسمت نصف ابتسامة، ثم أردفت.. "لو كتبت امرأة قصة عشق.. افترض الجميع أنها عنها.. وما يلبثوا أن يبحثوا في ماضيها عن أي أثر للعشيق الغامض".
"لكن ليس هذا ما يحدث معي.. أنا فقط.. أستنبط محور كتاباتي من حياتي.. وليس كل شيء فيها.. الكاتب يرى الإلهام في كل ما حوله.."
قلت كلماتي ثم وقفت عن الكرسي وحملت حقيبة يدي وهممت بالمغادرة..
علق عينيه علي .. بنظرات لا تخلو من التعجب المكتوم..
غادرت..
تركته معلقا، لا أملك له أجوبة.. وهو لا يعرف ماهي أسئلته..



،،



قطرات المطر، مثل ضحكاتك، تتشابه..
شفافة مثل ضحكاتك..
مستفزة مثل ضحكاتك..
أجلس أمامك، مجردة، هشة، ضعيفة..


ترتشف قهوتك سوداء.. كأيامي..
تتجرعها باستفزاز، وأنا أتصنع الكبرياء..
أنظر إليك نظرات فارغة، خاوية.. خالية من أي معالم ضعف قد تمدك بشيء من القوة..
أشرب قهوتي بالحليب، والكثير من الرغوة..
ربما لأن عنادي يعاكس قهوتك، وربما لأنني أختلق نوعا من التوازن ... معك...
وضعتَ مكعبا آخر من السكر..
ثم ارتشفت رشفة أخرى، ورسمت معالم رضا على محياك..
ابتسمتُ نصف ابتسامة، مجاملة من نوع لا تستحقه..
"أيام معطوبة إذا؟؟.. أوليست رواية رائعة؟" قال بنصف ابتسامة باهتة..
"أجل.."
"لقد أصدرت ضجة في الوطن، لقد أبدعتِ فعلا"
"أعلم هذا.."
ثبتُّ عينيّ على عينيك.. ما الذي جئت من أجله؟ ماذا تريد بعد أن دخلت دنياي وقلبتها رأسا على عقب، وعبثت بكل أثاثها .. وشخبطت بكل الألوان على جدرانها.. ماذا تريد ؟
بعد ان كنت اللون الأبيض، وكنت جزءا من كل لون .. تعكس كل شيء.. وكل شيء يعكس عينيك..
غبت، وغابت معك كل الألوان.. وغابت روائح كل العطور، ولذة أي طعم..
عدت الآن..
أما آن لقلبي أن يستريح.. ؟
قلت وكأنك قرأت أفكاري "بصراحة..." ثم تأملت عينيّ لثوان في صمت، لتجبرني على صدق لم أكن لأخلفه.. "هل روايتك.. تتحدث عني وعنك ؟"
لم أفهم النظرة التي حملتها عينيك في تلك اللحظة.. لم أدري القصد من سؤالك؟
لم أدري إذا كنت تبحث عن البطلة في عيناي، عن حزنها وألمها، وعن اختياراتها ..
وعن الليالي التي قضتها تتنفس أوراق بيضاء عقيمة، ودموع انخرست ولم تنتفض..
أتبحث عن (ميساء) في عينيّ ؟
سطرت أحمدها ألف مرة، وبألف لغة، وبألف نهاية..
وبكته ألف مرة، وبألف دمعة..
وماكانت تزداد إلا حرقة وشوقا إليه..
ميساء.. التي كانت تكتب اسمه على الكتب وعلى الجدران سواء.. على الورق والماء سواء.. وكأن كتابه اسمه تشفيها، وما زادتها الا داء....
نعم، [ أنا ميساء ]..



تأملته لثوان، انعقد لساني لثوان، في لحظة واحدة، تأملت فيها عينيك، تبادر إلى ذهني كل كلمة حب، وكل كلمة عشق، أغزلها تحت سواد شعرك الحالك، وسمرتك الغجرية، وغمازتيك الساحرتين..

لم ألحظ نظراتي التي كانت تلتهم عينيك، حتى قلت لي.. "أمل.."
خفضت نظري إلى كوب القهوة، ثم رددت "نعم، خالد"
"اشتقت إليكِ"
حملت يديّ بين يديك.. بلا مبرر، ولا مقدمات..
خفضت نظري إلى يدي التي كانت ترجف، طربا.. وبهجة وغبطة..
وقلبي الذي ينبض متسارعا، ليصل إليك..
لكن بريقا ذهبيا استوقفني.. بريقا ليس كغيره، بريقا أصغيت لكلماته واحدة تلو الأخرى..
صحيح..
وكأنني نسيت نفسي لوهلة.. طالعتُ الخاتم الذهبي حول خنصري.. ثم سحبت يدي في صمت..
حتى لا تعتاد على يديك.. ولا تئن لفراق يديك.. وترفض يديه هو بعد أن احتوتها يديك..
"لقد تأخرت يا خالد... انتظرتك كثيرا"..
تأملني بعينيه.. تأملني.. أنا..
وقفت، لأخرج من هذا المكان، بعد هذا اللقاء الغريب.. بعد زلة القدر هذه... لأستعيد شيئا من أنفاسي المتسارعة.. وشيئا من ذاتي المفقودة..
ثم أعود إليه....
كما عدت مئات الليالي.. لأنني دائما سوف اعود إليه...


}}~

Sunday, April 3, 2011

إلتئــام || ~





الجروح.. ندبات توشم على اجسادنا.. كل ندب هو ذكرى.. تعود للذاكرة في لمح البصر..تحمل ألمها كاملا، وكأنه يولد جديدا.. ويكشف عن نفسه كما في المرة الأولى...
وكلما زاد الألم.. وزاد عمق الجرح.. زادت مدة الإلتئام..
جروحه هو.. كانت ذكرياته كلها بلا استثناء.. يتنفسها بين كل ثانية وثانية.. في كل صباح ومساء.. تطارده ليلا مع كوابيسه..
كان يغرق كل يوم في خطاياه.. ودماؤها هي نقش على جبينه، في حرقة الألم وعذاب الضمير يبحث عن نفسه.. يبحث عن جواب لتساؤلات [ مشاعره ] التي لا تحصى ..
[ بقتلها ] مرة تلو الأخرى... يجد السلوان لنفسه فقط.. لا قانون يمنعه.. ولا وازع يرده.. ولا ضمير ينهاه..
ولا هي تنهاه..
كان يعود كل ليلة، مطأطئًا رأسه.. بسكين في يده.. ودماء تلطخ سكينه ويديه وملبسه ... وتقطر..
ثم يدخل .. ويغتسل..
تحت الماء.. الذي يشعر به لوهلة مثل ماء المطر.. يغسله من خطاياه، ويطهره من دمائها.. .. وذنوبه التي اقترفها [ في حقها ]..
يذرف دموعه.. بروح مهزومة .. تهيم في غياهب المستقبل.. يبكي تحت الماء فقط... حتى لا يدرك أحدٌ بكاؤه.. ولو أنه كان وحيدا تماما.. لكنه كان يدرك أنه يخبؤها من كبريائه وحسب..
دموعه كانت تنطق ضعفا، وقلة حيلة، وألم...
وطفلا ... يشاهد مصيره أمام عينيه.. مكتف الأيدي بلا حول ولا قوة..
كل ليلة.. كان يحمل سكينه، ثم يذهب إلى منزلها.. وتستقبله بأذرع مفتوحة على أوجها.. وابتسامة حتى تبين أضراسها..
ثم ترى السكين في يده...
وتدرك مصيرها الذي لن يتغير.. ولا تبدل ابتسامتها.. بأمل يكاد لا ينضب.. تقول كلماتها المعتادة [ مثل كل ليلة ] ...
"انهض"
فيغرس السكين في قلبها ويلطخ يديه بدمائها.. مرة أخرى..
ويغادر..ويخلف فجوة كبيرة في قلبها، تحرقها من الداخل إلى الخارج، وتصرخ ضعفا وعذابا لا ينتهي..
×××
مرة أخرى ..
ارتدى ملابسه السوداء.. وكأنه ملَك الموت، وحمل سكينه، وأغلق الباب مغادرا..
طرق بابها...
بأذرعها المفتوحة على أوجها وابتسامتها التي لم تتبدل، وزينتها وعطرها، استقبلته.. ثم نظرت إلى يده.. لتجد أنيسة قلبها، وقاتلتها..
لم تعبس.. ولم تغلق الباب في وجهه..
وقالت له "انهض"
ولأول مرة ... رد عليها "سأنهض".

ألقى بسكينه على الأرض الرخامية ..
أصدر صوت ارتطامها بالارض دويًا تردد في الأجواء..
مرت ثوانٍ...
تأملت هي حلمها الذي أصبح حقيقة..
خشيت أن تكون هذه مجرد أحلام يقظة .. أو ربما ضرب من الجنون !!
لكن لا..
كان هذا واقعها الذي طال انتظاره.. وقد حان وقته...
اتسعت ابتسامتها على سعتها..
وبنفس الأذرع التي اشتاقت إليه.. عانقته..
لتدفئه قليلا.. وتروح عن نفسه قليلا... وتوقف دموعه المهدورة قليلا..

على الأرض الرخامية الباردة ذاتها.. جثيا سوية.. متعانقين..
هو.. بكى.. بلا خوف.. أمامها.. كان يشهق بشدة...
وهي.. كانت متأكدة في أعماق أعماقها.. أنه سيعود.. وأنها إن وثقت به أكثر مما وثق بنفسه..
بكل تأكيد سيعود..
لانها تعلم مشاعره وتحفظه هو عن ظهر قلب ..

Detecated to A.H
:)

Saturday, April 2, 2011

الســـادس~ مـــ ن مــارس




اليوم عيد ميلادنا

..
اليوم مرت سنة على وشم ألم وشمته على قلبي.. اليوم مر عام على حزني ووجعي..

سأحتفل..
سأرتدي أجمل فساتيني.. وأتعطر بأطيب عطوري، وأبدو في أجمل حللي..
ثم احضر عود كبريت واحد.. وأشعل نارا.. وأسعرها..
سأسعرها بصورك.. ثم أزيدها تسعيرا .. بأن ارمي فيها كل صفحة من مذكراتي كتبتها يوما ما [عنك].. وأشاهد لهيبها..
أصارع دموعي في أحداقي.. و أتمرد على قلبي.. بضحكات مزيفة..
ثم أرسمك على جدراني.. بلون رمادي داكن.. ملطخ بدموعي الموءودة..
كسراب خلفه الزمن وكنت أنا الغبية أبتغيه.. 

Sunday, February 27, 2011

~|| علــے الــشرفـة ..


على الحافة، وقفت ويداي مكبلتان بالمشاعر المضطربة، أطيل النظر إلى الأسفل، أبحث عن ملامحها..
بين كل موج وموج، في الفلجات ما بين الصخور.. في انعكاس القمر على سطح البحر...

لعلني أجدها...

أو ألمح عينيها وحسب، القليل من بريقهما أو زرقتهما.. حفنة من كحلها أو عطرها..
أو لعلني أستدفئ بالشمس المستترة خلف ضحكتها..

هذيان... يحملني إلى اللا مكان، يسوقني إلى المجهول.. حيث أرى انعكاسي، ولا أتعرف على نفسي..
إلى متى سأتخيل صورتها في كل مكان؟

صوتها يرن في أذني مع كل صباح.. مع كل شروق وغروب.. مثل الموسيقى... لحنا يرسم ذكريات الماضي على الأجفان، ويتمرد على القلب بطغيان..

عدت إلى سيارتي.. سأعود أدراجي...
أعياني التفكير وعذبتني الغربة...
أمسك بالمقود.. وأقود.. ثم أتوقف.. لأجد أنني عدت لنفس البقعة.. تماما مثل كل ليلة.. تحت شرفتها...
حيث أجد نفسي، وأجد بهجة حياتي، وقرة عيني.. وأستعيد القليل من أنفاسي..

وقفت أتأمل الشرفة..
الضياء الذي شقت به غسق الليل، وتفردت بين جميع الشرف..
بأنها شرفة أميرة الأميرات، وحلوة الحلوات.. شرفة ليلى..

فُتح نور الغرفة..
اتسعت حدقتا عيني في ذهول..
هل تتلاعب بي مخيلتي؟ هل تخادعني وترسم أشواقي بأضواء غرفتها ؟
فركت كلتا عيناي، ثم أعدت النظر..
أنا لا أتوهم..
تعلقت عيناي بدون سابق إنذار، بانتظارها علها تخرج إلى شرفتها..
يا ترى هل ستحملها قدماها - إلى شرفتها - كعادتها كما ساقتني قدماي؟
مرت لحظات.. ثم دقائق.. ثم فجأة.. ظهر ظلها، وفتح الباب..
شعرت بقلبي يشق طريقه خارج صدري.. سمعت نبضاته في أذني...

خرجت هي.. كشمعة تشق الغسق.. كزهرة تتباهى بحمرة بتلاتها..
بل لا تشبيه يصفها.. فإنها المشبه به.. هي المسمى والمؤكد بكل تأكيد..

ليلى...

لاحظت نظراتي المعلقة عليها، ثم تنقلت أعينها حتى أبصرتني.. اتسعت حدقتا عيناها.. وكأنها لا تصدق..
وأنا لم أكن أصدق..
تمتمت قائلا "ليلى"..
ورأيت شفتيها تتمتم باسمي ...
تحركت قدماي باتجاهها..

صحت بصوت متحشرج، يشوبه الألم، فتجمعت الدموع في عينيها..
أنشدت قائلا
"لا تحسبوا البرء قد ألم، فجرحنا لم يزل جديدا.. يخدعنا أنه التأم ولم يزل يخبئ الصديدا..".

تأملتني بعينان تحتبسان دموعهما وقالت
~{{ اليوم عاد
كأن شيئا لم يكن وبراءة الأطفال في عينيه
ليقول لي أني رفيقة دربه
وبأنني الحب الوحيد لديه
حمل الزهور إلي,كيف أرده
وصباي مرسوم على شفتيه
ما عدت اذكر
والحرائق في دمي
كيف التجأت إلى زنديه..

}} ~
كانت تقول كلماتها وتمسح الكحل عن خديها وعينيها..

غطيت قلبي بيدي الاثنتين.. ومسحت الدموع عن وجنتي.. وأكملتُ أبياتها قائلا :

~{{ خبأت رأسي عنده
وكأنني طفل أعادوه إلى أبويه
حتى فساتيني التي اهملتها
فرحت به,رقصت على قدميه
سامحته وسألت عن أخباره
وبكيت ساعات على كتفيه
وبدون أن أدري تركت له يدي
لتنام كالعصفور بين يديه
ونسيت حقدي كله في لحظة
من قال أني قد حقدت عليه؟؟
كم قلت أني غير عائدة له,ورجعت!
ما أحلى الرجوع إليه! }}~


×××

Friday, February 25, 2011

فضفضات ~





أحمل الصور بين يدي.. أتنقل من شتاء إلى شتاء.. أصارع دموعي حتى الاختناق..

مالي أبكي على ماض قلته بيدي؟ ولففت حبل المشنقة عليه، وحدقت إليه يموت ببطء.. حتى ارتحل...

دموعا تفجرت من عيني تفجيرا.. غادرت مقلتي بلا سؤال..
تحمل مشاعري إليك في كفن... فأين لي المفر؟ أين لي الهروب من ماض .. يصارع أحداقي في كل ليله..
يغرس السكين في قلبي بعد كل بسمة..

أمسك بالصور.. علها تمحو الذكريات.. أو تدفنها بين فجات الذاكرة...
أو تبقي على البقايا المنقوشة في الذاكرة... ثم تصقلها.. برسم جميل معتبر.. رسم رسمته من الصورة..
التي نحتت الماضي "السعيد" فقط. على قطعة ورق.. وثبتت لحظة من الزمان.. على أمل أن تمحو أسود الذكريات، وأليمها

dedicated to you ~ in red

Wednesday, January 19, 2011

من بين كل القصص


من بين كل القصص، كانت قصتنا، ذات الحبكة الأوهن والأضعف..
ذات النهاية المتوقعة..

أبطالها.. أنا وأنت فقط..
شارك في التمثيل.. جميع رفقاؤنها وعوائلنا وأصدقاؤنا.. وحتى وساوسنا...
ولو رسمنا منها مسرحية تعرض في صالات الأفلام.. للاقت فشلا ذريعا، وسقطة مدوية.. ونقدا لا ينتهي..
×××
لم نجتهد في كتابتها سوية.. توقفنا عند أول منعطف، وضللنا الطريق..
مثل طفل بدأ يخطو، وعند أول عثرة، خشي الوقوف..
وعلى عكسنا.. يعود هو ليتابع مسيرته، حتى يتعلم الوقوف ثم المشي فالركض..
أما نحن.. نقف أمام لافتة الاتجاهات.. بحيرة، نتأمل..
وبدافع خوفنا نخطو خطوة للخلف.. تليها خطوة.. فخطوة أخرى..
حتى نعود من حيث أتينا.. من الصفر..
×××
يسعدني أن أقول..
أنها خاتمة متوقعة.. من اثنين.. احدهما انهزامي.. والآخر أناني..
الحبكة، والأبطال.. العقدة والحل.. كتبناها أنا وأنت سوية..
أنا الانهزامية.. وأنت الأناني..
كيف لها أن تأخذ منعطفا اخر، أو ترتدي نهاية ليست لها ؟
×××
أين كنا – أنا وأنت – من قيس وليلى ؟ من جميل وبيثنة ؟ من عنترة... وعبلة ؟
الجواب يقف بين أعيننا ومن وراء ظهورنا..
تأمل..
اذا نظرت حولك، ستجد أننا ... في اللامكان...
أنا لست بـ ليلى ولا بثينة ... ولا بـ عبلة..
وأنت [ بكل تأكيد ] لست بـ قيس ولا جميل ولا عنترة..
أين نحن منهم في دفاعهم عن قلوبهم؟ وثورتهم لمشاعرهم؟ وانتفاضهم من أجل كل ما كان بينهم؟؟
×××
تهاوى، وتراقص بين يدي أيها القلم..
اكتب عن أي شيء إلا هو..
هو كان فصلا مقتبسا من كتاباتي واقلامي وخواطري وأشعاري.. شتاءا قارس البرودة..
هو كان تمثال الأنانية.. مسطورا على ورق ابيض.. ملوث.. بحبر الألم..
أقدار غريبة، ساقتني إليك..
أقدار لا اعلم لها سببا ولا حكمة...
×××
أنت ..
ياقطرة حبر، اغرقت فساتيني وعطوري وأساوري..
يا صحراء، أضعت نفسي في متاهاتها..
أنت.. يا تجربة ألم ،، خرجت منها بدرس واحد فقط..
أن لا مكان للأنانية في قصة عشق. والا لصارت مسرحية اخرى، يتقمص فيها ادوارنا غيرنا..
×××

Wednesday, December 1, 2010

ثرثـــ ~ ـرة ... نـوفـــ،،،ـمبر




مع رحيل شهر نوفمبر، بأوراقه اليابسة الحمراء... وأشجاره شبه العارية. وجماله الأخاذ وسحره الذي لا ينتهي.. وعاطفته المتدفقة...
أتى فصل الشتاء يحمل حقائبه، وأنسام الهواء تحدث عن عودته.
بَرَد كان يهمس في منتصف الليل خفوتا، ورياح كانت تعصف بالأبواب لتعبر عن شوق ولهفة لاغير.
×××
على عتبات الدرج كنت أراقب سطوع النجوم، التي تناثرت على بساط مخملي أزرق صافٍ، رائع الجمال.
كانت تتراقص من مكان لآخر. وكأنها تتدلل، ولا تحسب حسابا لقمر يشق غسق الليل بجماله.
أيعقل أنها لا تشعر بالغيرة أبدا؟ ألا تشعر بصغر حجمها أمام شموخه؟
كفي عن التدلل، وكفاك غنجا وتراقصا... لست شيئا مقارنة بالقمر..

أتنهد...~
مابالي أُنفس عن غضبي على نجوم لا تدري عن أمري شيئا، ولا تسمع لهمس صمتي نحيبًا ولا بكاءًا..

أتوقف، وأدفن رأسي بين يديّ... وأستشعر كل مشاعري..
ألم دفين يسامر قلبي، جرح حال صديدًا، ولن يكف عن النزيف قريبا...
أتمنى لو أستطيع أن أضحك من قلبي...
ضحكة واحدة أو ضحكتين من طرف ثغري كانت لتعيد إلى جزء من روحي شبه الفانية.
إلا أنني أشعر بأنني [وبكل ما تعنيه الكلمة] وحيدة.

أجلس على عتبات الدرج، علني أرى له طيفا في نهاية الطريق...
علّ ملكًا من السماء يسمع ندائي ويرسل بريح القدر لتدفعه إليّ مرة أخرى.
عله يحن إليّ، إلى حديثي، صمتي، وضحكاتي...
ثم يأتي راكضًا إلي...
علّ، وعلّ، وعلّ... وتبقى في النهاية [ هل ]؟؟ ...

أبقى أنا معلقة على عتبات الدرج، بين علّ وهل.. وأحيانا ربما...
أدور في متاهات مفرغة... لأجد أنني قد وصلت إلى اللامكان...
فأتخذ مجلسا هناك.. أراقب من جدران قلبي، من خلال نافذة مصمتة...
أشاهد اللاشيء... وأسامر صمتي وحسب.. حتى صرنا أعز الأصدقاء...
×××
نسمة باردة قبلت وجنتيّ... كانت كافية بأن تعيدني من ثرثرة بنات أفكاري...
إلى واقعي، وعالمي.. وعذابي...
أحدق في النجوم، مازلتْ.
علها تدفئ شيئا من جوف صدري، أو ترسم شبح ابتسامة على ثغري....
لكنها لم ولن تفعل.
وقفت من مكاني، ونفضت أي أثر لغبار أو حزن أو أسى...
لأودع شهر نوفمبر. أرسلت له وللنجوم قبلتين.
علها تطبع على خده...
ويدرك كم سأشتاق إليه...
على عتبات الدرج، سرت، ورياح القدر تتلاعب بي، فتحملني على كتفها تداعبني تارة، وتعصف بي تارة أخرى..
لأقف أمام التحديات. التي أنا ... كما أنا.. [ لها ].

Monday, October 18, 2010

المرات الأولى


×××
عندما تولد المشاعر لأول مرة، تترك في القلب أثرا لا ينسى، وتطبع على جدران ربيعنا بصمة تنحت في الذاكرة إلى الأبد..
لهذا السبب بالتحديد، نتذكر أول يوم دراسي في حياتنا وشعورنا عند فراق أمهاتنا ذلك اليوم، نذكر أول مرة قدنا فيها سيارة أو غنينا بصوت جهور أمام حشد من الناس. تلك الذكريات بكل ألوانها تصبح شعاعا ينير حياتنا.
هكذا كانت بالنسبة له، كانت أول نبضة قلب تسارعت، أول رجفة سعيدة متوترة، وأول شعلة أضرمت في قلبه.
لسبب خفي لا يعيه، كانت مجرد رؤيتها تشرق يومه، وسماع حديثها أعذب من هدير الماء أو تغريد البلبل.

×××

بعد ثلاثة أيام سيغدو في الثامنة من عمره، لقد ازداد طوله 20 سم عن السنة الماضية. ازداد صغر العالم في عينيه الواسعتين، فالبارحة استطاع الوصول إلى البسكويت أعلى الرف في المطبخ وشعر بإثارة غامرة بينما أخذ البسكويت بدون إذن والدته.

إنه رجل كبير الآن. عمره 8 سنوات [ إلا ثلاثة أيام ]...

تأمل انعكاس صورته على المرآة، وعدل لياقة قميصه ثم تناول المشط وشذب خصلات شعره.
"سأعطيها الكعكة اليوم" فكر بينما كان يلمس شعره بيديه...
سوى تجاعيد قميصه، ثم تناول العطر الرجالي الذي أخذه من غرفة والده و رش رشتين على قميصه وعنقه.
ألقى نظرة أخيرة على مظهره، تبسم ثم رفع يده ونفخ فيها ليتحقق من انتعاش أنفاسه. ثم غادر الغرفة موصدا الباب خلفه.

×××

منذ أن لمحتها عيناه... شغلت قلبه وعقله، ببراءة تفكيره وقلة تجاربه قال له عقله الصغير أنها لابد وأنها تريد رجلا وليس طفلا صغيرا...
أخفى براءة عينيه الواسعتين بنظرة مصطنعة نصف نائمة، أخفى ضحكته التي غالبا ما تبدأ بحرف الخاء، وحاول قدر الإمكان ألا ينفعل حتى لا يحمر خديه.

مشى في طريقه إلى مبناها المجاور لمبناهم، بثقة بدأت تتزعزع كان يفكر بالعودة يوما آخر. إلا أن قدماه أبت التراجع... ليس اليوم أيضا.

وصل إلى المبنى ثم صعد الدرجات وبدأ يتعرق متوترا...
إنها الشقة... أخذ نفسا عميقا ثم رفع يده وطرق على الباب.

فتحت والدتها الباب.. "مرحبا جوني"
"مرحبا" رد بتوتر.. "هل فنيسا في المنزل؟"
"أجل، لحظة سأناديها.." ردت وهمت بالدخول لمناداة فيسيا.

بعد لحظات ظهرت فنيسا على عتبه الباب. بشفتين حائرتين بين الابتسام والصمت. وخدين متوردين احمرارا. وضفيرتين على جانبي وجهها الأخاذ.

"مرحبا جوني" قالت بحياء.
"مرحبا" قال متذكرا أن يصنع نظرته النصف نائمة. "أحضرت لك شيئا".
ثم ناولها الكعكة [ مغلفة بورق هدايا زهري ] التي مضى عليها أسبوعين اثنين.
أخذتها و همت بفتحها.. وما أن فتحتها حتى صدمت من المنظر. كانت الكعكة مكسوة بالبكتريا والفطريات حتى اكتسبت لونا أخضر باهت.
تقززت من المنظر.. وبعفويتها الطفولية رسمت وجها عابسا على ملامحها. رمت الكعكة بوجهه وهربت إلى الداخل.

تسمر هو في مكانه. لا يدري ماذا يقول أو يفكر. مرت ثوان حتى استوعب الأمر في عقله. صاح غاضبا وركل الهواء بقدمه.

×××

عاد إلى منزله دافنا رأسه بين يديه بمشاعر مضطربة ونهاية غير متوقعة.
رمى بجسده على أول كرسي قابله.
كان والده مارا بالردهة عندما رأى منظر جوني الصغير. تعجب في نفسه ثم توجه نحوه.
"ما بك؟" سأله والده.
"لا شيء" رد متزمتا.
" هل يتعلق الأمر بـ فنيسا؟" قال بحذق.
رفع جوني ناظريه إلى والده وحدق به مطولا.. ثم قال مستسلما "أجل".
تأمل والده المظهر الذي يحاول أن يبدو عليه... ثم تفهم الأمر تماما.
"جوني" قال والده ... "هل ظننت أنك عندما تبدو أكبر سنا ستثير إعجابها؟"
رد جوني شاعرا بقلة حيلته "أجل".
أطلق الوالد ضحكة صغيرة ثم قال "ليس هذا ما تريده هي
!" ..
حدق فيه ابنه مطولا فتابع حديثه قائلا "لقد قابلتها. إنها فعلا معجبة بك. عليك فقط أن تكون نفسك..."

تابع جوني تحديقه منتظرا تشجيعا أكثر. فقال والده "ثق بي. أنا أعرف... هل تريدني أن أدعوها لحفل ميلادك؟"
هز رأسه نافيا وقال بثقة "سأدعوها بنفسي".
قام عن كرسيه وخلع معطف بذلته ثم رفع يديه إلى رأسه وقام بتخريب تسريحة شعره المهذبة.
ضحك والده وقال "رويدا رويدا".
أسرع جوني خارجا وأوصد الباب خلفه. ركض على الطريق ومر بمحل لبيع الأزهار واشترى زهرة حمراء من أجلها.
طرق الباب.
فتح الباب، وظهرت خلفه فنيسا. تفاجأت بعودته مرة أخرى.
فقال لها: آسف بشأن الكعكة. أردت أن أعطيك إياها منذ أسبوعين، وانتهى بها الأمر إلى الفساد.
ضحكت هي. ناولها الزهرة.
أخذتها وتبسمت له مرة أخرى. حك رأسه خجلا.
فقال لها "هل تستطيعين أن تأتي لحفل ميلادي بعد ثلاثة أيام؟"
ردت "سأسأل أمي.. لكنها لن تمانع" وتبسمت مرة أخرى.

×××

نفخ جوني شموع الكعكة، تمنى في قلبه أن يحصل على دراجة جديدة هو و فنيسا، لكي يتنزها معا. نظر إليها بقربه وتبسم إليها ثم قال "هل تريدين بعض الكعك؟"
ضحكت وقالت "أجل. بشرط ألا يكون فاسدا".
أطلق دوني ضحكته التي تبدأ بحرف الخاء، عالما أنها غريبة جدا. لكنه علم في قلبه أنه أصغر من أن يبالي.
كان والده ووالدته يتأملان المنظر من مكانهما. شيء في تصرفات جوني و فنيسا معا حركت مشاعر في قلبيهما. شعور أول حب في حياتهما. تبسما لبعضهما. ثم تعانقا. وأملا أن يشيخا بهذه المشاعر ذاتها.

×××

Sunday, October 17, 2010

One step on the bus


×××
     لحظات الإحراج، تمر ببطء. وكأن الزمن يتكاسل لكي تدرك مدى غباء موقفك. جميع الأعين معلقة بك، تحدق بك كـ [مهرج] بأنف أحمر، ووجه أبيض مرعب.
شددت قبضتي على حقيبة ظهري، وأوقفت دموعي عن التعبير عن رأيها. ثم قلت بغصة في حلقي "سأغادر الآن".
استدرت فورا غير مكترثة لنداء أحد، فقد اكتفيت فعلا.
كان المشهد يعيد نفسه مرة تلو أخرى في عقلي. " هل لي أن أحدثك يا سمر؟ أحتاجك في موضوع ما"، نظر إلي وقال "عن إذنك يا دلال"
"دله تنكسر على راسك" جملة تردد صداها في عقلي دون أدنى مشاعر بالذنب.
كنت أسرع إيقاع خطواتي دون شعور مني، موقفه كان كفيلا بدفعي للركض والصراخ، هو يعلم كم أغير منها. يعلم كيف أشعر، وكيف أفكر...
حتى سمعت صوت ندائه "دلال توقفي".
التفتّ لأجده راكضا نحوي "لم ستخرجين وحدك؟ هذه ليست من عاداتك". سألني متعجبا.
تحججت بأشغالي وألم في رأسي، فلم يزد حديثا على حديثه وعاد هو وحيرته أدراجه مخذولا.
ألم عصر قلبي في تلك اللحظة. كيف يهون علي أن أعيده أدراجه بعد لحق بي، إلا أن أفكاري سرعان ما قررت أنه يستحق أكثر من هذا على ما فعله..
ثبت نظري على الأرض ثم سرت بخطوات واسعة حتى كدت أركض في حرم الجامعة.
خرجت من البوابة، تريثت قليلا.. ثم نظرت حولي وخلفي باحثة عن أي ظل له... بلا أي جدوى.
أدركت أنني فوتّ قطار العودة، وأن مشكلة بسيطة ستحول إلى عدة أيام أليمة. 
ممسكة بحقيبتي وأوراقي، أسبح في بحر أفكاري... تولت قدماي مهمة المشي إلى الباص، تلقائيا جلست على الكرسي الثاني من الأمام بجوار النافذة.
وضعت حقيبتي على قدمي وأسندت رأسي عليها، ثم أغمضت عينيّ، وسرحت متنقلة من فكرة إلى فكرة، أتخيل شتى أنواع السيناريوهات التي ستدور بيننا.
شعرت بأحدهم يجلس قربي.
ثم سمعت صوته "دلال؟".
هل أصبت بالجنون؟ أم أن عقلي يتلاعب بي؟ أمعقول؟
و لدهشتي التفتّ لأجده هو.
بأنفاس متقطعة... ونظرة متوسلة... همس لي قائلا... "سامحيني".
اعذرني يا قلبي، كيف لا أسامحه؟ كيف لا أبتسم له؟ كيف أتوقف عن حبه أو النطق باسمه؟ وهو .... [هو ].
بحياء شديد، وخدين متوردين خجلا خفضت بصري.
فقال "هل مازلت غاضبة؟".
حركت رأسي لا.
"سامحتك منذ أن صعدت على هذا الباص".
×××

Friday, October 1, 2010

فقاعات الصابون


.






×××

صوت صفير الأجهزة حولها لا يكف عن الطنين، حتى حال طنينه إلى أزير أسد  في أذنيه، وكأن صفيرها ينتظر اللحظة التي يعلن فيها عن رحيل دقات قلبها.

أكياس دماء تحلق فوق فراشها، كفراشات دامية، قاتلة. ودماء تقطر.

إبر، أدوية، ممرضين. بات لا يطيق أي من هذا.

حتى دقات الساعة بدأت تتململ من إنصاته لها. تتباطأ في كسل وكأنها تتحرك رغما عنها.

"لولاك يا وفاء لما صبرت على هذا المكان". فكر في نفسه.





تأمل وجهها الأبيض الشاحب، وعينيها المستترتين خلف جفنيها النائمين، وشفتيها اللتين ازرقتا بلون الأدوية.

الطعام الوحيد الذي تحصل عليه يصلها من كيس "سكر" يحلق فوق سماءها، فقط ليعكر صفوها.





جال بنظره في الغرفة البيضاء. راقب أشعة الشمس تحاول التسلل من فلجات الستائر، ثم حول نظره إلى الأزهار التي أحاطت بفراشها من كل جانب، ثم رفع بصره إلى البالونات الملونة التي تتراقص مع أنسام الهواء.





وعاد يحدق إليها.





أمسك بيدها اليمنى بكلتا يديه وطأطأ رأسه. "لقد مرت عشر ساعات على انتهاء العملية، يجب أن تفيقي الآن". فكر هو.

لن أطيق الخروج من هنا بدونك، ليس بدون يدك لتمسك بيدي. مستحيل ! ""

ارتفع صوت طنين الجهاز. ولأول مرة، بدا طنينه كأحلى موسيقى تطرب أذنيه، كاد أن يرقص لولا أن عينيه تعلقتا بها في انتظار أقل إشارة لاستيقاظها.

كان يراقب أقل تحركات جسدها، منتظرا تمتمة غير مفهومة أو حركة إصبع، أو حتى رفه جفن.





مرت دقائق وهو بنفس الحال، وطنين الجهاز الذي منذ ثوان قليلة كان مبشرا، أصبح مزعجا أكثر فقط لا غير.

شعر باليأس يغلبه مرة أخرى في معركته.

حتى وضع يده على خده. "وفاء أين أنت؟" كلمات خرجت من بين شفتيه دون أن يشعر.





شعر فجأة بحركة طفيفة. فرفع ناظريه ليراها تصارع لكي تفتح جفنيها. فأحكم قبضته على يمناها وقال "هل تسمعينني؟".

وببطء شديد وثوان مرت كسنوات، فتحت عينيها.

صور مبهمة متداخلة، وأصوات هائمة، دقات متباطئة وطنين شديد الإزعاج.

وشبح غريب يحدق بها.

من أنت؟ سؤال أبى الخروج من بين شفتيها.

مرت عدة ثوان، ارتدت فيها الصور تفاصيلها، رويدا رويدا، اتضحت لها معالم الشبح الغريب.

هذا ليس شبحا غريبا، إنه شادي.

بقوى خائرة، وجسد واهن، مالت برأسها تجاهه. ثم تبسمت.

[ابتسامة] رسمت بشكل تلقائي، بالرغم من جسدها المتعب وعينيها المنهكتين.

بقلب يكاد يخرج من صدره فرحا، وعينين تشعان بهجة، قال "وفاء؟".

ردت بصوت خافت وحنجرة لم تستخدم حروفها منذ مدة "شادي".

رفع سبابته إلى شفتيه وقال "لا تتحدثي كثيرا".

ثم وضع يده في جيبه قائلا " أحضرت لك شيئا".

تابعته وفاء بنظراتها المتأملة.

فأخرج من جيبه علبة صغيرة أسطوانية، وردية اللون وقال ضاحكا "إنها فقاعات الصابون".

اتسعت ابتسامتها حتى بانت ضروسها الخلفية وقالت بسعادة لائمة "شادي".

أشار بسبابته إلى شفتيه مرة أخرى وهمس "شششششش".

ثم فتح العلبة بعجل، وأمسك بغطائها ذي العصا التي في آخرها دائرة مفرغة، ثم غمرها في الصابون

.

تبسم...



قربها إلى شفاه وفاء.

نظرت إليه، ثم أغمضت عينيها ونفخت فيها.

وتماما كالسحر، انطلقت فقاعات الصابون إلى الهواء. عاكسة شتى ألوان الطيف.