Tuesday, December 31, 2013

أعين جديدة




سبرت أغوار الحديث وحملت الحزن لأرميه عرض الحائط، وعرضهم هم.

خضت نزالات كثيرة، أبحث في ذاتي عنها، وأجول بين الماضي والحاضر، أتقفى آثار نفسي، في تصرفاتي وحديثي، في تفكيري وذاتي.

أقف أمام المرآة...

أتأملها أمامي، أنظر لنفسي، فأرى انعكاسا لي لا لنفسي، مرآة حالت بيني وبينها، ملامح تنكرها الذاكرة، وقلب غريب لا أحتويه، تغرب عني بمقدار التناقضات بي، وحجم الفجوة التي كونتها تساؤلاتي.

بين قناعاتي الخاصة، وبين وجهات نظرهم - التي على تعددهم واختلافهم فهي واحدة - وأنا على تقدمي عمرا يوما بعد يوم... أحمل القناعة المغايرة ذاتها، ووجهة النظر التي توافقها، فلا أخرج عن نص نفسي، ولا عن سيناريو ذاتي.

وجهة ورأي اتخذته طريقا، يختلف عن طريقهم، طريق قادني إلى ألم الوحدة، ومرارة الانعزال.

أن أحمل آراء مختلفة هو كأن أرتدي زيا تنكريا في وضح النهار، مختلفا عن كل عرف قد حمل، فأنا أولد تقليدا خاصا جديدا، يمثلني وحدي، ولا يوافق أحدا سواي.

أمام المرآة، أقف بانتصاب، لأتأمل الفراغ الذي كونته بيني وبينهم، وأتساءل مالو كنت أنا هي المخطئة بحماقة، والعنيدة بغباء. وأنهم هم الصواب، وأنا الخطأ.

لربما لو أنني ارتديت أعينهم، لرأيت ما يرون، لربما فكرت كما يفكرون. ولاقتنعت بالصحيح والمخطئ. فإن غيرت أعيني هذه فأنا أميل لأن أجد الحق، والحق وحده، لأتبعه بطريق جديد مغاير لكل الطرق.

حديث نفسي، يشعرني وكأني بقناعة صحيحة تماما أحور الأحداث، وأستر رغبتي في الإنتماء تحت عنوان الحق. وأولد ألفة جديدة بين كل عرف تناقض بيني وبينهم. كأنني بدأت شيئا فشيئا أتجرد من ذاتي إليهم، وأبدل فكري بأفكارهم. وأحمّل ميزان الحق كل ما أغض طرفي عنه ثم أدعي جهلا به.

حملت زوج الأعين كلا بيد، تأملت لونهما الأسود، وعدت لأنظر للمرآة وأجد عيني الخضراوين. تأملت عيني بنظرة أخيرة واستعددت لكل التغيرات التي ستطرأ على عيني وعقلي.

أعدت زوج الأعين لمكانه، واقتلعت عيني من محجريهما، ووضعتها على المنضدة.

تلمست طريقي على المنضدة بروية إلى العينين السوداوين، وحملتهما مجددا.

أعدت رأسي للخلف وشخصت ببصري إلى السماء، ووضعت الزوج الجديد.

أبعدت يدي برفق عنهما، رمشت كثيرا، وأدمعت عيني كثيرا، بمحاولة يائسة للتأقلم... فتحت عيني ببطء.
كان عالما جديدا تماما...

تحول فيه كل شيء إلى اللون الرمادي، وصبغت فيه كل المشاعر بالحيادية. بصورة تكاد تكون استحواذية تماما وجدتني أوافق قناعات لم تكن لتحتويني في أي وقت من الأوقات.

×××
كل منا يحمل أنواع الآراء والمعتقدات، وكل منا شخصية كما لكل منا بصمته. لنعي هذه الاختلافات، ونستوعب كامل وجودها بنا أو بغيرنا. ونختمها

بالتقبل ثم ربما نستقبحها أو نستحسنها.


SPECIAL THANKS TO MOHAMMAD ABDULHAFEEZ AWAD :*

Photo design by my dear friend M.K.
thank you so much, I love it ^_^

Sunday, August 4, 2013

a few words


معلقة.. بخيط أمل رفيع، بيد القدر..إن أمسكه...
أو [[ أفلته..


مكسوة... بجراح، بعضها خلفها الزمن..
والبعض [[ خلفها آخرون..


أتهاوى.. مابين اختياراتي..
وبين [[ اختياراتهم... 

أتأمل الفراغ الذي خلفته بعدي..ثم أعود لأتأمل مكاني،
وأمعن النظر لفجوة بين الماضي والحاضر..


بعد أن تقلبت على كفي الحياة، تدحرجني كيف شاءت..تعطي وتأخذ.. فإن أعطت فبمقدار..
وإن أخذت فتأخذ كل شيء بقوة وبلا إنذار..


وتبقي على القليل وحسب..لكي لا تبقى مساحة للنقم..
ومساحات كافية للشكر..

والإعتذار ~



seriously ..
if i could... i'd write some more... but "for my own good" i wont.
to keep my own sanity i posted.
even though my voice may never reach the hearts i want it to ...

Maze14

Tuesday, July 17, 2012

بوابــــــہ للماضـــي




شعور وسط، ما بين التبسم والبكاء..
يسحبني إلى ما وراء الصمت..  يأخذني بإرادةٍ تواطِئه وتزيف الرفض.. ثم تتساءل في خفاء..
بيدين تلتمسان هذا اللغز السرمدي، الذي اكتنف مقبض الباب.. ثم تتراجعان...
أوأجده خلف هذا الباب، أم أجد مخلفات من الذاكرة مغلفة في بريد الآلام ؟!
أحمل في عينيّ ترقبًا وسعادة، وأستعد بذخائر كبيرة من أدمع وخيبات لا متناهية، تحسبا لصدمة أتوقع أن تقتحم الباب وتلج بلا استئذان..
ثوان تعيد ولادة أفكار وأسئلة وئدت قبل سنوات.. ومقبض يفصلني عما قد يصبح الجواب...
أترى صلواتي وأدعيتي وصلت أبواب السماء؟ هل يفصلني عن الأجابة مجرد إدارة المقبض وفتح هذا الباب ؟

غريب كيف أحمّل هذا المقبض، كل هذا الكم من الآمال المعلقة وأحلام اليقظة، وبعض الآلام أيضا...
غريب أنني حولته من مقبض إلى علّاقة، أعلق عليها خيبتي المحتمة لألومه عندما لا أجد من ألومه غير نفسي، وأستغل صمته وصلابته وصغر حجمه لأصيغ منه سلة مهملات لأوجاعي.. ليحملها بصمت عني.. دون اعتراض.

أمد يدي ببطء..
استعداد لخيبات أمل...
تلاشت في تلك اللحظة، جميع استعداداتي للخيبات، وبقي الأمل وحده.. وسؤال آخر اقتصر على حروف بعدد حروف اسمه..

فُتِحَ الباب...
وكأني لم أكن من فتحه...
ولج كم كبير من شعاع الشمس، حجب الرؤية عن عينيّ...
ضاقت حدقتيّ...
حتى رأيته...
هيئته التي نَحُلت، عظام وجهه التي برزت، لحية جديدة ولدها الفراق... عيناه بسوادهما العميق، تحمل الحزن والألم الذي حملته إطلاقا...

مهلا...

هذا ليس هو !
يداه تتصلبان، قدماه تتحجران.. عيناه تسقطان من تجويفهما..
"مهلا ! انتظر !"
وجهه يتحول إلى صنم واهن من رماد.. وجسده يتناثر رويدا رويدا أدراج الرياح..
بعجل ويأس أحاول لملمة بقاياه، والتمسك بهذه الأتربة..
بقدر ما أحمل من رماده على يدي، وأحاول حمل المزيد.. بقدر ما تتناثر كما لو كانت ذرات رياح مراوغة وحسب...

أفشل في التمسك ببقاياك، كما فشلت التمسك بك يوما...
أعود لأسامر ماضيكَ صبحا وعشية ومساء..
ألم لا ينجلي وجروح لا تبرى..
على ضفاف بابٍ دومًا ما أتركُه مؤاربا للذاكرة.

إضاءة ~
لنترك التمسك بالماضي، ولا نحمل هموما للمستقبل.. ولنعش الحاضر بحكمة وثقة وابتسامة.

Friday, May 18, 2012

[ ساحـرة قلبي ]



وحدك ..
تملكين عناقا سحريا..
مختلف عن كل عناق احتواني..مختلف الألوان..  فهو متعدد بعدد السماوات، ومتسع بعرضها..
وحده عناقك ..
يحتويني في كل تقلبات مشاعري، وكل فصول أعماري، وكل الأوقات بلا استثناء..
...كم مرة تساءلت في نفسي.. عن سر دفء عناقك في كل الأوقات، وعن أسباب توقف دموعي فقط عندما أعانقك.. كم هو سحري هذا العناق..

كم كنت أتباهي بك أمام رفيقاتي يا أمي.. عناقك سحري، وفراشك الذي يمنع الكوابيس عني كذلك سحري، قبلتك التي تمحو أي ألم... أيضا سحرية... كل شيء تعلق بك... ساحر حقا !!!!!!!!!!!!!!!!

في كل اللحظات التي تحمل عيني فيها شيئا من الحزن.. وتخبو إبتسامتي لأي من الأسباب..ما إن أعانقك، تنهمر دموعي وكأني لم أحاول كتمانها..
فتتشرب ثيابك البيضاء شيئا من أدمعي دون قصد.. حتى أصبحت ملجأ دموعي، ومخبأها..
ثيابك البيضاء التي تحمل أحزان رضيعة وطفلة وشابة...
ثيابك التي تحملني أنا والذاكرة في طياتها، والتي تحمل عبقك الذي لم يتغير...

عناقك الذي...
يكبل جميع مشاعري وتقلباتي.. بإعطائي مطلق الصلاحية، للبكاء بلا حدود.. وذرف الدموع بلا حساب... في لحظات سعادتي بك...
وحتى لحظات حنقي منك..
عندما تمنعينني من الخروج واللعب تحت المطر، بحجة أنني قد أصاب بمرض ما.
عندما تمنعينني من تناول الحلوى قبل الطعام، لأنها ستفسد شهيتي أو عندما تمنعينني من شرب الشاي أو القهوة، لأنني ما زلت صغيرة وعظامي ضعيفة..
جميع حججك كانت واهنة، غير مقنعة، بأي صيغة حاولتِ صياغتها، كم بدت حججك كبيرة المقاس ليرتديها عقلي الصغير..

لكنني الآن أدرك، حجم المعاناة التي تكمن في محاولاتك لإردائي حذاءا يكبرني عدة أعوام، أو شرح مسألة معقدة، بتحليلها إلى 1+1=2

كم كنتٌ عنيدة..
وكم كنتِ صبورة..
وكم كنت أنا صغيرة..
وكم كنت تصغرين لأجلي فقط..

الآن يا أمي.. أنا كبيرة !
فتصرفاتي مع أختي الصغيرة، هي تقليد أعمى، لتصرفاتك يوما معي..
عنادها يشابه عنادي كثيرا.. ووجهها الحزين يطابق قسماتي.. كلتانا نحترف كل المشاعر التي أدركناها..
فعندما نحزن، نحزن بإخلاص، ونبكي بكل أدمعنا، ونرتدي وجها للحزن ولا نخلعه إلا عند النوم...

ماذا عنك يا أمي ؟ أرتديتي هذا الوجه يوما ؟
أم أنك حقا كما ظننت يوما، قد أتيتي إلى هذا العالم وأنت كبيرة ؟!! وأنك لم تكوني يوما طفلة ؟!
أو أنني كبرت في ظلك، حتى صرت أشبهك حد التطابق ؟
فأنا ما عدت أعرفني منك...

×××

يتبع ~

Monday, May 7, 2012

دعــوة مفتــوحة للمشاركة ~






تسهل قراءة الذاكرة، عندما لا نمتلكها.. عندما تحمل بين سواد حبر الاقلام ومساحات الاوراق البيضاء..
عندما نختلس نظرات من ذاكرة ليست لنا...
اما عندما تكون هذه الذاكرة المسطورة.. ذاكرتنا.. بحبرنا واواوراقنا.. فإن وقعها اشد ما يكون على قلوبنا... فإننا لا نقرأ الكلمات وحسب.. بل نذكر اين كتبناها، وكيف كتبناها.. ولمن كتبناها.. ثم ننخرط في الحالة النفسية ذاتها، التي جعلت من كلماتنا.. شعرا.. ومن حروفنا.. أدبا .. ومن ذاكرتنا.. قصصا..
أكثر ما يمكن ان نصنعه بهذه الذاكرة، ان نفتحها على مصرعيها لنشارك هذه المشاعر جميها...
فالكتابة لم تشف أحدا من أوجاع الذاكره.. لكنها كالمسكن... تخدر الالام، فترة الإلتئام.. حتى تبرأ...
فلنكشف عن المسودات.. وليس النسخة المنقحة النهائية التي لا تخلو من التكلف والترتيب..
بل المسودة.. التي تحمل الخربشات الأولى، والأخطاء الإملائية والنحوية، والكلمات العفوية والروح الأولى للنص..
أن تدفعنا آلام حياتنا إلى حد الكتابة.. هو شيء.. لكن أن نشارك من هم حولنا عما نكتبه، فهذه هي قمة الجرأة..
ليس كل منا يكتبنا .. ومن ذا الذي يجيد كتابتنا بشكل أفضل، من أنفسنا..
لنترك التكلف.. لنكتب على مساحات الورق... ومساحات الجدران البيضاء... ومساحات السماء كلها.. وحتى أكفنا الصغيرة... ثم نشاركه.. مع من نحب.. ~





Sunday, February 5, 2012

خربشات قلم و [بقـــايـــا ذاكـــرة]




لم ألقَ مِن قبلُ أحدًا يجيد الحرقَ والاحْتِراقَ سوية مثلك.. تَحرقنِي فأَحْترق، وتُدَثّرني بدموعك فأنطفئ..

علمتني، كيف أحترف الحب والكره سوية... أحبك حتى أكرهك حد الاختناق، ثم أكرهك، حتى أحبك حد الجنون ... بين الموت والجنون معلقة أنا... حتى أصبحت حياتي كشريط سينيمائي يبث بالأبيض والأسود، أحدق إليه من إحدى زوايا الذاكرة...
ذاكرة نُحِتتْ لتجسدك وحدك...
عبثا أحاول الهرب من عينيك..
عبثًا أتجاهل أياما نقشت على بياض عينيّ وسوادهما..
عبثا أتجاهلك..
عبثا أتجاهلني...



×××


فراقك غير كل طقوسي القديمة...
عندما أحببتُك ولدتَ في طقوسا أنت أعلم بها، حتى صارت كالعبادة، تبعث السكينة فى قلبي، وبتركها تتخلني الوحشة والاغتراب...

فقد كنت كل مساء... أعانق صوتك، وألمسه، أما اليوم فكل مساء... أعانق الموت... على فراشٍ كنت أفترشه أنا وخيالك سوية، فالان حتى خيالك يأبى أن يشاطرني فراشي...
حتى خيالك لا يحدثني... حتى ذكراك باتت تتغرب عني...

ما ذنبي ؟! ما ذنبي لترفض ذاكرتي الألم.. كأنها هي من يبكي، أو يسهر.. او يحن أو يتألم...
عيناي وقلبي لا يمانعان، فما بها ؟؟!


×××



تصمت أعيني...
ويبكي قلبي... 
حتى يبتل صدري...
كل ما فيّ يعزيني فراقك.. 
كل مافي يترحم على ذكراك..
أشيع جنازة حبك في قلبي..
أحملها على كفن أحمر.. 

أبكيك..
وأبكيك..
وأبكيك.. 
فاليوم يوم البكاء..
يوم شق الجيوب ولطم الخدود.. 
يوم الآهات والدموع..
اليوم الذي أنسى لك فيه،،
كل أحقادي القديمة..
وكل الزلات الأليمة.. 
وأصيح بمحاسنك..
أعددها كما لو كنت ملاكا طاهرا... 
كما لو كنت معصوما عن كل خطأ..

إنها صلاة موتى.. 
يؤمها قلبي وحده...
ويأتم بها قلبي وحده..
فلا أكتاف تحمل أدمعي..
ولا قلب اخر يشاركني حبك..
ابكيك..
فالبكاء على الموتى، يحررنا من آلام الذاكرة..
أما الكتابة عنهم، فتحرر أقلامنها منهم..

لهذا بكيتك...
ولهذا كنت أكتبك...

قد كنت كل الذاكرة...
والآن أنت [ بقايــا ذاكـــرة ] ..


×××

Friday, December 9, 2011

ثَــــأْر الرِمَـــال



{{ مدخل ~

القصة بالاشتراك مع الكاتب الرائع والمبدع big bad wolf :)
مدونته [[ هولاكيــات ]] تجدونها في الرابط هنا
إنها المرة الأولى التي أجرب فيها الإشتراك مع كاتب آخر في قصة قصيرة، كانت تجربة ممتعة فعلا، وأتمنى أن تكرر مجددا ^_^
أتمنى تحوز على إعجابكم ~

×××

قال:
-          لقد أعطيتك كل ما أملك, و الآن و أنا على فراش الموت أريد أن أسئلك ماذا كنت تريدين أكثر من هذا يا ترى؟ 

قالت:
-          لا أريد كل ما تملك, كنت أريد قلبك فقط.
قال:
-          لقد كان ملككِ منذ دهور .... منذ اليوم الأول الذي قابلتكِ فيه.

×××

الشمس، هي كالحياة تماما...
لها أوجه عدة، ومزاجات متقلبة.. لها دفؤها وحرقتها...
الشمس واحدة، ومع ذلك فإنها تختلف في كل مكان... ففي كل مدينة هي بحلة أهلها...في كل بقعة من الأرض لها هالتها المميزة.. تارة تبعث حرارتها حتى تذيب ثلوج القلوب، وتارة تبث دفئها بثّها للسعادة والبهجة في النفوس...

أما في جزيرة العرب، فهي شمس تكاد تلون بلون أحمر قاني، لون يشبه كثيرا قلوب أهلها...
قلوب غُلفت بأحقاد تتراكم تراكم أوراق الخريف، وآلام تولد مع أغشية الأجنة...

×××

في ظهيرة توسطت الشمس فيها كبد السماء، وتلاشت فيها الغيوم، كان السوق كعادته في كل يوم يعج بالحركة، باعة يروحون ويجيئون، أصوات تعلو فجأة ثم تختفي، مشاحنات مع الزبائن، أطفال يلعبون...

 و في خضم هذه الأحداث كانت هناك سيدة عجوز ضريرة تتجول في الأرجاء، بعصا تتوكأ عليها، ثقيله الحركة، أنفاسها ببطء  حركتها، شعرها الأبيض ينسدل تحت شالها الأسود..  بثياب أهلكتها الأيام، وسنين أغبرها التعب..

تمشي في ديار لم تعرف أزقتها وشوارعها، متعثرة ببعض الحجارة في الطريق, بحيرة تتخلل كل خطوة...

كان انزعاجها من الأصوات جليا على ملامحها، كان هناك رجل واقف على جانب الطريق.. ضخم الجثة، كث الشارب واللحية، بتجاعيد شكلت ملامح وجهه.. فتوقفت لوهله على مقربة منه و أرهفت السمع قليلاً ثم قالت و هي تنظر في السماء:

-          عجوزاً ضريرة تريد المساعدة أيها العرب!
التفت إليها ورد بصوت جزل عميق..
-          نعم، بماذا يمكنني أن أساعدك سيدتي؟
-          أيمكنك أن ترشدني على بئر بني غانم الواقعه على أطراف المدينة؟  فإنني غريبة عن هذه المدينة..  و لا أملك ما يرشدني غير عصاي.

لم يحرك ساكناً للحظات ثم أمسكَ بعصاها و تقدم في صمت مطبق.. وأخذها بوقع خطوات سريع إلى مكان خارج السوق.. كانت تلاحظ تلاشي أصوات الإزعاج شيئا فشيئا... حتى توقف تحت شجرة كبيرة..

توقف عن الحركة و هو لا يزال مولياً ظهرة ناحية العجوز , ثم طقطق برأسه نحو الأرض من دون أن ينطق بكلمة واحده, فشعرت العجوز بذعر خفي و أرادت أن تنطق بكلمة واحده و لكن و قبل أن تفتح شفاها قال الرجل الضخم بصوته الجزل العميق:

-          ها نحن ذا بعيدان عن الأنظار...

توجست خيفة و أستطردت بصوت متلعثم:
-          هل وصلنا نحو وجهتنا يا أخ العرب؟ هل هذه هي بئر بني غانم؟
 ألتفت صوبها و وقف أمامها، متمثلا بعينها كما لو أنه قد جُنّ جنونه ...
-          يمكنك أن تقتليني الآن يا خولة...

صمتت، ثم انقلبت عيناها كما لو كانت عينا صقر مميت .. حدت نظراتها إليه..
قالت في صوت دفين يحمل ضغينة شديدة:
-          اذا فقد عرفتني يا رعد... لم أتصور أنك ستذكرني بعد كل هذه السنين المريرة.

شرد بصره و قال بصوت شابه بعض الحزن:

-          كنت أعلم أن هذا اليوم قادم لا محالة يا خولة.

برقت عيناها في شدة
-          استعد  إذاً لتتذوق من نفس الكأس ..

أدخلت يدها في كمها ببطء، وأخرجت منه خنجرا ذو رأس شديد الحدة، ومقبض ذهبي مزخرف بزخارف سوداء.. حملته بكل ذرة حقد في قلبها.. تجسد في عينيها ماض لم يبرأ من الألم، وجرح لم يُقَدّر له الإلتام...

كان يقف بصمت يهز الجبال، وشموخ أمام زعزعة الأقدار... يحدق إليها وحسب..
تقدمت منه بحذر، حتى أنها لم تثق بأي كلمة قالها..

كانت تطيل النظر في عينيه، بانتظار أدنى إشارة تحذرها، لكنها كانت تتجاهل نورا غريبا ينبثق من عينيه.. عيناه كانتا تتوهجان بنور عجيب..

قبض على يديه بشده.. فنقلت بصرها إلى يده فتمتمت بعصبيه :

-          أتحاول أن تفعل شيئا ما ؟

أجابها في لهجة واثقة:
-          لا خولة لن أفعل أي شيء.

سألته في لهجة ساورها الشك:
-          ما هذا الذي بيدك ؟

مد يده وفتحها أمام ناظريها، أطلت على ما كان يحمله في يمناه..
كانت تميمة صغيرة كما يبدو.. خيط صغير علق عليه خرزات حمراء.. ومن صغر حلقة الخيط، بدا كأنه لشخص نحيل جدا.. أو طفل صغير السن..
لاذت العجوز بالصمت..

نظر عميقا إلى عينيها، ثم قال:
-          إنها لابني الصغير.. توفي قبل ستة أعوام، ولم يتجاوز العاشرة... علمت أنه القدر يأخذه كما أخذت ابنك رشيد بيدي... علمت أنك ستأتين عاجلا أم آجلا...

قالت له في صوت منفعل:
-          هل ترواغ لتستعطفني يا رعد؟
نكس برأسه ناحيه الأرض و قال بلهجه أثارت بعض الأطمئنان في نفسها:
-          هل أبدو لك كذلك ؟

تبدلا النظرات لثوان...
عيناها المكتحلتان بكحل أسود كغسق الليل، كانتا ذهبيتان بلون العسل، ولون النار الموقدة.. بـ تجاعيد رسمتها السنوات على تقاسيم وجه لم يعرف الا قسوة البادية...

شرارات حقد كانت تنبثق من عينيها، بقلب أسود لم يعرف النوم عشرون عاما، بسبب نار غل لم تنطفئ...

-          لقد أدركت كيف يشعر المرء عندما يفقد شيئا كان من ضلعه.. اذا فإنني أثق بأنك لن تغدر بي..
اقتربت منه بخطوات واثقة... بينما ظل هو صامتا... فقالت:
-          لطالما أحببتك و أحترمتك يا رعد... لكنني أثأر لدمه.

رفعت يدها
أغمض عينيه بشدة...

غرست السكين في قلبه غرسة واحدة، بكل ما أوتيت من قوة.. تبعتها عدة غرسات، كان يصرخ فيها من الألم، حتى خر صريعا على الأرض...

بينما راقبته يلفظ أنفاسه الأخيرة... ودماؤه تعود لتمتزج بأرض كانت منها يوما...
راقبته حتى توقف عن الحراك... مدت يدها لتجس نبضه.. لقد أزهقت روحه.. تأملته لعدة دقائق مستلقيا على التراب..

تنفست الصعداء أخيرا..ارتاح وجدانها أخيرا..
ألقت بخنجرها على دمائه.. ثم ألقت عصاها... وتركته خلفها.. وغادرت.

×××

Friday, November 11, 2011

رِسَـــالَة ،، إِليْـــكَ بُنَيّ



×××

التجاهل... مؤلم...
ولكن الصد، أكثر إيلاما...
الرفض، أكثر إيلاما، أعمق جرحا... أشد وجعا...
نستطيع تحمل كل شيء.. حتى التجاهل... نستطيع بقدرة خارقة في أنفسنا على التغافل... أن نتناسى، ونصفح عمن نحب.. لا لحاجة فينا، لكن لأننا نحبه وحسب...
ونعود مرة أخرى، لـ نبتسم في حضرته، وحضرة الذاكرة، وحضرة الألم... لا لعلة فينا... لكن لأننا نحبه وحسب... لأننا نريدهم أن يعودوا لنا في نهاية الأمر... لأننا نكره البقاء وحيدين... والبقاء متجاهلين...
لأننا نكره الوحدة في الظلام...

×××

متنقلين في فصول حياتنا، عاما بعد عام، ننهمك في شؤوننا، صغيرة كانت أوكبيرة.. بدون أن نتوقف للحظات، ونتفس الصعداء .. ونتأمل ماحولنا وحسب..
هكذا كان هو، مشغولا بعمله، مشغولا بشدة.. لدرجة أنه لم يلحظ أن ابنه نما انشا كاملا.. وحصل على أعلى درجة في اختبار مادة العلوم في الأسبوع الماضي..
×××

راقبه ابنه الصغير وهو يقطع الردهة جيئة وذهابا... واضعا يده تحت ذقنه، عاقدا جبينه، ويهمهم بين الحين والاخر...

أمسك أمجد بكوب حليبه الفارغ، وظل يراقب والده...
حتى صاح والده فجأة "أها ! وجدتها !" وأسرع بخطاه إلى مكتبه، وأغلق الباب خلفه...
لم يكن بالمنظر الغريب.. إنها فقط "احدى حالاته تلك"...

نزل أمجد عن كرسيه، ووضع كوب حليبه على مغسلة الصحون، ثم رفع ثقل نفسه على أطراف أصابعه، ليفتح صنبور المياه، ويغسل كوبه مستخدما أطراف يديه، فيكاد أن ينزلق من يديه ما بين الفنية والأخرى.. حتى انتهى من غسله، فوضعه مقلوبا ليجف..

ركض في الممر ليصعد الدرج على عجل،لأنه شعر بحاجة لاستخدام دورة المياه...
لكنه تفاجأ عندما وجد الباب مغلقا !
لابد أن والده أغلقه بعد مغادرة السمكري !
لحظة ! المفتاح بأحد تلك الأدراج ! ظل يبحث ويبحث بلا جدوى...

ركض بخطاه المتقاربة إلى مكتب والده،  وقف على أطراف أصابعه، ليصل إلى المقبض ويديره..
أفلت المقبض وولج الغرفة بخطى مترددة...

رفع الوالد رأسه عندما شعر بدخوله، ثم صاح "ماذا أخبرتك بشأن دخول المكتب عندما أعمل ؟"
استاقه والده خارجا، ثم عاد أدراجه موصدا الباب خلفه..

ظل والده في تلك الصومعة لمدة لا تقل عن ثلاث ساعات..
حتى خرج بعد فوات موعد الغداء... صعد إلى غرفة ابنه، ليسأله ما اذا أراد البيتزا أو شيئا اخر...
أدار المقبض، وفوجئ بالمشهد أمام عينيه...

كان أمجد يحمل شراشف السرير بين يديه، مبللة تماما ! وكذا حال بنطاله !
.
.
.

تبادلا النظرات لثوانٍ...
حتى عقد والده جبينه بغضب وصاح قائلا "ما الذي فعلته؟؟ لماذا لم تذهب إلى الحمام؟؟ أولم تكبر على هذا الفعل ؟؟"
اقتلع الشراشف من بين يديه، وصاح "اعطني هذه ! اذهب الان !"

فيما كان أمجد يحدق إلى الأرض، يستمع لكلمات والده وهو يعنفه... تجمعت الدموع في عينيه...
وبسرعة لم يتداركها والده، كان أمجد يبكي ويشهق.. ويكفكف دموعه بيديه وقميصه..
عدا إلى دورة المياه مرة أخرى، أمسك بالمقبض وأصبح يديره عده مرات بكلتا يديه.. ومازال يرفض أن يفتح...

تقدم والده متسائلا "ما الخطب ؟؟"

بأنفاس متقطعة، وغصة في الحلق قال كلماته "لم... أستطع... ناديتك... لم تأتِ"

لاذ والده بالصمت.. وأخرج المفتاح من بين سلسلة مفاتيح جيبه هو.. وفتح الباب...
ولج أمجد إلى الحمام بسرعة.. فيما عاد والده لينظف تلك الفوضى...

×××

في المساء..

حين حل موعد نومه، كان الأب كعادته قابعا في مكتبه، بين أكوام من الأوراق والكتب.. خلف شاشة حاسوبه التي أشحبت لون بشرته...
أُدير مقبض الباب ببطء... فرفع ناظريه، وحدق منتظرا...

ظهر ابنه أمجد خلف الباب.. مستعدا للنوم، بقميص نومه المزركش بالسيارات...
بعلامات ذنب ترتسم على محياه، كان ينقل بصره من الأرض إلى والده..
"ما الذي أتى به ؟" فكر والده..

وقبل أن يسأله، كان أمجد يركض نحوه بخطى واسعه.. عانقه، وقبله قبلة المساء.. ثم خرج من الغرفة مسرعا...
ولم ينس أن يوصد الباب خلفه...

لحظات من الصمت، والتفكير المشوب بالذنب.. مرت بالوالد... أهي عفويته أم براءته التي أثرت فيه؟ أم هو إحساس المتأصل بالتقصير ؟ أم خيبته في نفسه كـ أب ...
علامات حزن ارتسمت على محياه.. لأنه يدري أن كل شيء ما كان إلا بهفواته...

شعر بحلول موعد هجر هذه الشرنقة، حتى يفتح عينيه على حياته من جديد...

خرج من مكتبه، صعد الأدراج يجر أذيال الحياء... وصل الغرفة، وفتح الباب...
كان هناك، مستلقيا.. متوسدا رأسه الصغير بكفه الأيمن... كم بدا جميلا كالملاك.. متورد الخدين، طويل الأهداب كأمه...

تبسم، ثم جلس بجواره على السرير.

قبله قبلة المساء...
كان بقبلته تلك، يتذكر كل مرة عنفه فيها، كل مرة أخطأ فيها أمجد ارتداء جواربه، أو نسي شيئا من آداب المائدة.. عنفه كما لو كان يبلغ من العمر أربعينه، ومن خبرة الحياه أجمعها...

كان بقبلته تلك.. يتوعد ابنه بغد أفضل... بأيام وسنين يرسمانها سوية بألوان الطيف... بحنان أبيه، وحب أمه سوية...

أنه سيعود بعد غيبة، ليكون أباه مجددا... ليداعبه، ويضحكه، ويساعده عندما يحتاج إليه...
وأحيانا كثيرة ... لينصت إليه وحسب... ليكون رفيقه...

أمجد، بدا كما لو أن قلب والده حدثه بكل شيء، تبسم نائما... مُرحبا بعودة والده من جديد.


×××

للأمانة القصة مستوحاة من رسالة قرأتها في كتاب لـ ديل كارينجي قبل فترة...
أعجبتني فكتبتها على شكل قصة =)

Sunday, November 6, 2011

أنت نهاري وليلي }}




أراك في كل حين، في خفوت ضوء القمر، في انهمار قطرات المطر.. في شروق الشمس وضحكات الأطفال ..

أنت ،، يا نهاري وليلي..
في النهار، أسرح بالتفكير بك.. وأنسج قصصا لم تحدث بيننا.. 
أما في الليل، أتخذ مجلسي المعتاد، بقلمي وورقي اللذان حفظا كل تضاريسك.. لأنخرط في حالة أخرى من حالات السكون التام إليك.. أو الجنون التام بك...

أن يعجب الجميع بما أكتبه إليك وحدك، هو نوع من السخرية التامة.. ونوع من الهزل، الذي لا يخلو من الألم...
وأن أكتب عن الألم ولا أجد ترياقا لألمي لديك، هو نوع من الموت البطيء..

رسائل بأقلام حمراء وزرقاء أكتبها إليك.. عرضها بعرض السماء، وعطرها يفوح من أنفاسك..على ساق حمامة زاجل، أطلقها إليك، لتستدل على طريقها بنورك..
رسائل أسطرها أمام ملأ من البشر، دون أن أكترث، بأن يعلموا كل ما أسره لك قلبي..
رسائل كلما حملتها بين يدي، تحملني إلى الذكريات..

أحب الكتابة إليك.. حتى ولو لم تقرأ ما سطرته يداي... حتى ولو لم يكن لنا في الزمان نصيب.. حتى وإن كان مصيرها مهملات قلبك...
و إن كنت على بعد أميال عني، وسطر من قلمي..
كيف أسطر لك أشواقي ؟ كيف أكتب عن ما لا يستوعبه صغر قلمي، وكبر حبي ..
كيف أعلمك .. أنني ما عدت أنا بعدك.. أنني ما عدت أحب إلا ما أحببته، ولا أذهب الا لمكان احتواك.. ولا أكتب إلا بك أو إليك.. كأن روحي تجردت إليك.. وقلبي يسكنك..


كم هي متعبة الأيام بدونك، وكم هو مرهق فراقي عنك.. يالاسوداد قلبي بعدك.. ويالاشراقه بك..
انت.. يا شمسي وقمري... يا فرحي وبهجتي..
يا ألمي المضني، ووحشتي اللعينة...

كم أشتاق إليك..
كم أود أن أنطق بها، في لحظة انفعال، تأخذني إليك... إلي يدين منقوشتين بالذاكرة، يدين كانتا تحملان كفيّ في كل لحظة انفعال، وكل لحظة وجع...
ليت كل أيامي كانت معك اشكال من الانفعالات.. وليتها كانت كلها لحظات لا تنتهي من هذا الوجع الجميل...


أكون أحيانا على مقدار كاف من الحماقة، لأسرح بأفكاري، حيث تأخذني إليك.. وأتساءل إذا كنت تشتاق إلي.. أو إذا حملتك أشواقك للتفكير بي.. إذا فعلا لم تنسني ؟
اسمح لي بأن أتحامق قليلا.. أن أكذب على نفسي قليلا.. أن أتوهم حبك قليلا...
وأسترسل في أحلام لا تفارقني..
وأتذكر كل ماكان بيننا.. فإن الذكريات هي داء القلب.. والنسيان دواؤه.. والنسيان حل ماعاد واردا لقلبي المعتل...


أتذكر كل كلمة نطقتها.. بتشكيلها ومخارجها، بملامح وجهك وتقاسيمه.. بضحكاتك، وتبسماتك، واستراقك اللحظات، لتتأملني..
أسرح في الذاكرة ... بين كل ما حدث بيننا.. وكل ما لم يحدث...

ذكريات حفرت بالذاكرة، سعادة مؤقتة أدين بها للأقدار.. ثم أحلام رقدت في سلام بلا عودة.. كنت أنت حلمي، ورقدت في قلبي بسلام إلى الأبد..
أحتويك.. لأنني قد أعيش بدونك، ولكنني لا أحيا إلا بك..

Tuesday, October 18, 2011

رجل استثنـــــائي }}



          الكتابة على ضوء القمر هي شكل من أشكال السمر... الذي لا يدركه الا الكاتب والمكتوب إليه... لهذا أكتب إليك في ضوء القمر؛ لأتسامر إليك وحدك.. وأسر حديثي إليك وحدي..
الليلة، حتى عن الكتابة إليك أعجز، ماعاد قلمي قادرا على ترجمة العشق الذي يحمله لك قلبي...حتى الكلمات أخرست في وصف عينيك...
عيناك هما تراجم هيروغليفية، للإسهاب فيها قواعد ونظم.. وللحديث عنها آداب وأصول... والأخطاء في حقها لا تغتفر..
دعني أبحر في لغتك، علمني حروفك لأحترف حبك، علمني الكلمات لأصوغ أشعارا في عشقك...لأنك رجل استثنائي..
وإن رجلا استثنائيا مثلك..
يحتاج إلى كتب تكتب له وحده..
وحزنٍ خاص به وحده...
وموت خاص به وحده...
وزمن بملايين الغرف..
يسكن به وحده..



×××